الكرك .. حين اشتد الوجع وتجلّت قوة الوطن
يونس الكفرعيني
26-10-2026 05:42 PM
ليست قوة الأوطان في أنها لا تتعرض للمحن، بل في قدرتها على التماسك حين تشتد العواصف، وفي ذلك المعدن الأصيل الذي يظهر عندما يصبح الألم امتحانًا للوعي والانتماء. وما شهدته الكرك من جريمة دامية لم يكن مجرد حادث أمني مؤلم، بل لحظة وطنية كشفت عن عمق الروابط التي تجمع الأردنيين، وعن حقيقة مجتمع تتعدد فيه المعتقدات ولا تتعدد فيه الهوية، وتختلف فيه أماكن العبادة ولا تختلف فيه حرمة الدم. لقد أراد المجرمون أن يجعلوا من الفاجعة بابًا للخوف والفرقة، لكنهم اصطدموا بوطن يعرف أبناؤه أن ما يصيب أحدهم يصيبهم جميعًا، وأن وحدتهم ليست شعارًا تفرضه الظروف، بل إرثًا راسخًا من العيش المشترك والمصير الواحد.
وفي قلب هذا الوجع، كان حضور جلالة الملك عبدالله الثاني تعبيرًا عن معنى القيادة التي لا تقف بعيدًا عن آلام شعبها، بل تكون في صميم المسؤولية حين تشتد المحن. فقد حملت متابعة جلالته المباشرة للأحداث، وزيارته للمصابين، وترؤسه اجتماع مجلس الأمن القومي بحضور سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، رسالة واضحة بأن أمن الأردنيين وكرامتهم وسلامتهم تتقدم على كل اعتبار. ولم يكن هذا الحضور منفصلًا عن النهج الهاشمي الذي جعل من العلاقة بين القيادة والشعب ركيزة للاستقرار الوطني؛ فالقيادة لا تستمد مكانتها من سلطة القرار وحدها، بل من قدرتها على جمع الناس حول دولتهم، وترسيخ الثقة بمؤسساتها، وتحويل الألم إلى مسؤولية وطنية مشتركة.
وفي موازاة هذا الحضور، برز دور المؤسسات الأمنية التي واجهت امتحانًا بالغ الحساسية، تطلب الحكمة بقدر ما تطلب الحزم، والدقة بقدر ما تطلب سرعة الاستجابة. وقد عكست الجهود التي انتهت بإلقاء القبض على المنفذين أهمية العمل المؤسسي والتنسيق الأمني، وأكدت أن قوة الدولة لا تكمن في قدرتها على المواجهة وحدها، بل في خضوع هذه القدرة للقانون، وفي استعداد مؤسساتها للمراجعة والتطوير واستخلاص الدروس. فالأمن الحقيقي ليس مجرد غياب للخطر، وإنما شعور المواطن بأن هناك دولة يقظة تحمي حياته، ومؤسسات تتحمل مسؤولياتها، وعدالة لا تسمح للجريمة بأن تمر دون حساب.
غير أن الصورة الأكثر عمقًا في مأساة الكرك كانت في ذلك الحس الوطني الذي عبّر عنه الأردنيون، حين تجاوز الحزن حدود المكان والدين، وأصبح المصاب وجعًا عامًا. فالمسلم والمسيحي في الأردن ليسا طرفين تجمعهما ضرورة التعايش، بل شريكان في التاريخ والهوية والمصير، وما استهداف كنيسة في الكرك إلا اعتداء على هذا المعنى الإنساني والوطني الجامع. وهنا تتجلى قوة المجتمع الذي يرفض أن تتحول الجريمة إلى فتنة، أو أن يصبح الغضب مبررًا للكراهية. فالوطنية الناضجة لا تُقاس بارتفاع الأصوات، بل بالقدرة على حماية وحدة المجتمع في أصعب الظروف، والتمييز بين المجرم ومحيطه، وبين العدالة والانتقام، وبين الانتماء الواعي والانفعال العابر.
لقد أوجعت الكرك الأردن كله، لكنها أعادت إلى الواجهة حقيقة وطنية عميقة: أن قوة هذا البلد تتشكل من تلاقي القيادة الحاضرة، والمؤسسات المسؤولة، والمجتمع الذي يعرف قيمة وحدته. وهي قوة لا تعني غياب التحديات أو العصمة من الأخطاء، بل القدرة على مواجهتها والتعلم منها دون التفريط بما يجمع الأردنيين. وستبقى الكرك جرحًا في الذاكرة، لكن الجريمة لن تكون صاحبة الكلمة الأخيرة في رسم صورة الوطن.
فالأردن لا يستمد قوته من أنه لا ينكسر أمام الألم، بل من أنه لا يسمح للألم بأن يفرّق أبناءه. وتلك هي الوطنية في أصدق معانيها: أن يبقى الوطن أكبر من الجراح، وأن تبقى وحدته أمانة في أعناق الجميع، قيادةً ومؤسساتٍ وشعبًا.