قرية حمود… ذاكرة وطن لا تنحني
جميلة عمايرة
25-10-2026 06:29 PM
لم تكن الجريمة التي شهدتها كنيسة قرية حمود في الكرك مجرد فاجعة حملت من البشاعة والغدر ما يزلزل القلوب، بل كانت جرحا أصاب الوطن في صميمه، وامتحانا جديدا لصلابة نسيجه الاجتماعي، الذي لم تصنعه الشعارات، بل نسجته أجيال من الحياة الواحدة، وتقاسم الخبز والوجع والذاكرة والمصير.
لقد أراد الرصاص أن يزرع الرعب في مكان اعتاد الطمأنينة، وأن يحول لحظة وداع إلى مأساة، وأن يترك في ذاكرة القرية ما لم تعرفه من قبل. غير أن الوطن الذي تضرب جذوره عميقا في الأرض، أعصى على الانكسار من أن تنال منه رصاصات الغدر، أو أن تعبث بوحدته أيد امتدت إليه من عتمة الحقد.
«افزعوا يا كركية… افزعوا يا كركية… تبرعوا بالدم!»
ستبقى هذه الصرخة، التي انطلقت من قلب الفاجعة، ناقوسا يدق في الوجدان قبل الآذان. لم تكن مجرد استغاثة لإنقاذ الجرحى، بل كانت صوت الكرك كلها، حين يصبح وجع الواحد وجع الجميع، وحين لا يحتاج الإنسان إلى أن يسأل عمن ينزف، لأن الدم الذي يسيل هو دمه، والمصاب مصابه.
فنحن في الأردن لسنا مجتمع تعايش، بل مجتمع عيش واحد. لم تجمعنا المصادفات، ولم تصنع وحدتنا الخطب والشعارات، بل صاغتها الأرض والذاكرة والخبز والوجع والمصير. لم نكن يوما جزرا متجاورة تبحث عن جسور، بل كنا وما زلنا نسيجا واحدا، لا يعرف أين ينتهي وجع أحدنا ويبدأ وجع الآخر.
وهذه هي الكرك التي نعرفها، لا تحتاج إلى مناسبة لتثبت معدنها، ولا إلى فاجعة لتستحضر وحدتها. ففي أرضها تختلط حكايات الناس، وتتشابك جذورهم، وتصبح ذاكرة المكان ملكا للجميع.
ولقرية حمود من هذه الذاكرة نصيب مشرف لا يجوز أن تطغى عليه بشاعة الجريمة.
فحمود ليست مجرد قرية صغيرة على أطراف الكرك، بل مكان له حضوره في التاريخ الوطني الأردني، وامتداده في الوجدان القومي العربي. من بيوتها خرج أصحاب فكر وموقف، ومن أرضها امتدت حكايات النضال إلى فلسطين، حيث لم تكن القضية يوما شأنا بعيدا عن أهلها، بل جزءا من وعيهم وانتمائهم، وحاضرة في خياراتهم ومواقفهم.
ومن ذاكرة حمود تطل تيريزا هلسة، ابنة عكا ذات الجذور الكركية، التي ارتبط اسمها بالنضال الفلسطيني، وقضت سنوات من عمرها في سجون الاحتلال الإسرائيلي. وتطل معها حكاية مشعل الخيطان الهلسة، الذي عرف قسوة الأسر في معتقل الخيام في جنوب لبنان. أسماء لم تفصل بين الأردن وفلسطين، ولم تر في الحدود الجغرافية حدودا للانتماء والوجدان.
ولم يقتصر حضور أبناء حمود على ميادين النضال الفلسطيني، بل امتد إلى الحركة الوطنية الأردنية، وإلى التيارات القومية العربية واليسارية التي حملت أسئلة الحرية والتحرر والعدالة في زمن عربي مثقل بالهزائم والتحولات. وفي تاريخ القرية حضور مبكر للعمل السياسي، ومن أبنائها من أسهموا في تأسيس حزب الشعب الأردني عام 1927، ومنهم من انخرطوا في النضال الوطني العربي، ومن حملوا أفكارهم إلى فضاءات الثقافة والأدب والعمل العام.
ومن حمود أيضا خرج الروائي والمفكر غالب هلسا، الذي جعل من الأدب مساحة لمساءلة الواقع والبحث عن الإنسان والحرية، ويعقوب العودات، «البدوي الملثم»، الذي ترك في المكتبة العربية أثرا أدبيا وتاريخيا لا يغيب.
ولعل ما يميز هذه القرية أن وعيها لم يولد في ساحات السياسة وحدها، بل بدأ من إيمان أهلها المبكر بالمعرفة. ففي عام 1922، شيدوا مدرستهم بجهودهم وتبرعاتهم، وفتحوا أبوابها لأبناء القرى المجاورة، في زمن كانت فيه المسافة إلى المدرسة أشبه برحلة نحو المستقبل. وكأن أهل حمود أدركوا منذ ذلك الحين أن بناء الإنسان هو أول أشكال بناء الوطن.
ذلك هو تاريخ حمود الذي ينبغي أن يروى، لا ليحجب مأساة حاضرها، بل ليضعها في سياقها الإنساني والوطني الأوسع. فالقرية التي أنجبت هذا الوعي، وحملت فلسطين في وجدانها، وأسهم أبناؤها في الحياة السياسية والثقافية، لا يمكن اختزالها في جريمة، ولا اختصار ذاكرتها في صوت الرصاص.
ولن يغيب عن البال أن الأردن مستهدف، وأن محاولات العبث بأمنه ووحدته تستدعي وعيا لا يقل صلابة عن يقظة مؤسساته. ومن غزة، حيث لا تزال صور القتل والدمار حاضرة في الوجدان، إلى قرية حمود الجريحة، يبقى الموقف الإنساني واحدا: لا قيمة لحياة تقل عن أخرى، ولا جريمة تصبح أقل بشاعة لأن ضحاياها في مكان آخر.
فالقتل جريمة أينما وقع، والقاتل مجرم، والمحرض على سفك الدماء شريك في الجريمة. تلك بديهيات أخلاقية لا تتغير بتغير الجغرافيا، ولا يجوز أن تخضع لحسابات السياسة أو انتقائية المواقف.
وكلي ثقة بالعيون الساهرة التي تتعقب خيوط الجريمة، وتعمل على كشف مرتكبيها ومن يقف وراءهم، وإحقاق العدالة للضحايا وذويهم. فالأوطان لا تستهدف بالرصاص وحده، بل بالكراهية حين يراد لها أن تتسلل إلى القلوب، وبالفرقة حين يراد لها أن تنخر ما عجزت عنه يد الغدر.
لكن من يراهن على هدم وطن من داخله، يجهل أن ما بنته الأجيال في قرون لا تهدمه لحظة جنون، وأن الانتماء الذي ترسخ في تفاصيل الحياة اليومية أعمق من أن تقتلع جذوره جريمة مهما بلغت وحشيتها.
ستبقى حمود أكبر من جرحها، وستبقى الكرك وفية لتاريخها، وسيظل الأردن وطنا لا تقسمه الفواجع، بل تكشف في لحظاتها العصيبة عن عمق ما يجمع أبناءه.
ففي حمود، لم تكن فلسطين يوما قضية خارج حدود الوطن، كما لم تكن فاجعة حمود وجعا خارج حدود قلوبنا. هكذا كنا، وهكذا سنبقى: وطنا واحدا، وذاكرة واحدة، ومصيرا لا يقبل القسمة..