الدكتور المعشر يكتب ل عمون: كم نحن فخورون اليوم بأردنيتنا
د. مروان المعشر
25-10-2026 06:42 PM
ودّع الأردن تسعة من مواطنيه الأبرار، وأعطى، في قلب هذا المصاب، مثالاً للمنطقة وللعالم أجمع على كيف تكون الوحدة الوطنية شعوراً لا شعاراً، وقيمة راسخة في النفوس، لا استجابة عابرة أو موقفاً يمليه أحد.
سينال المجرمون العقاب الذي يستحقونه، لكن الأردنيين والأردنيات وجّهوا إليهم بالفعل أبلغ ردّ: بوقوفهم أمام الكنائس، ووصفهم الضحايا بالشهداء، وصلاتهم عليهم، وتبرعهم بالدم، ومشاركتهم الواسعة في تشييعهم ومواساة أهلهم والترحّم على أرواحهم الطاهرة. قال الشعب الأردني كلمته بوضوح: من ارتكب هذه الجريمة مجرم منبوذ، لا يمثّلنا، ولا مكان لفكره بيننا.
جاء هذا الردّ عفوياً وصادقاً، في أفعال الناس قبل أقوالهم. ولعلّ من أبلغ ما سمعت قول مواطن أردني مسلم على شاشة التلفزيون إن المسيحيين أصلاء في هذه البلاد، وليسوا طارئين عليها. وهي حقيقة نعرفها ونعيشها؛ فالمسيحيون جزء أصيل من تاريخ الأردن وحاضره ومستقبله، وشركاء في بناء وطن تجمع أبناءه مواطنة واحدة ومصير واحد.
تأثرت وشعرت بالفخر وأنا أتابع ردود فعل مواطنين عرب على وسائل التواصل الاجتماعي، رأوا في موقف الملك، وهو يرتدي الزي العسكري وينزل إلى الميدان، تعبيراً عن قيادة تعتبر مصاب أي أردني مصابها، وأمن جميع مواطنيها وكرامتهم مسؤوليتها. كان في حضوره تأكيد أن الاعتداء على هؤلاء المواطنين اعتداء على الأردن كله، وأن المجرمين لن يفلتوا من العقاب.
وشعرت بالفخر أيضاً وأنا أرى هؤلاء الأشقاء يتابعون بإعجاب كيف تعاضد الأردنيون والأردنيات، وكيف وقفوا معاً دون تكلّف أو تصنّع، تعبيراً عن ألم حقيقي أصاب كل بيت في هذا الوطن الحبيب. لم تكن مواساة المسيحيين واجباً يؤديه الآخرون، بل كان الحزن حزن الجميع، والفقد فقد الجميع.
لكنّ وداع شهدائنا يجب ألّا يكون نهاية هذا التعاضد، ولا يجوز أن نطوي الألم والغضب ثم نعود إلى حياتنا كأن شيئاً لم يكن. تقع على كلّ منا مسؤولية تحويل هذه الوقفة الوطنية إلى عمل جاد يواجه منابع الفكر الظلامي الذي يستبيح حياة الناس وحرمة دور العبادة، ويرفض كل خطاب يحرّض على الكراهية أو ينتقص من مواطنة أي إنسان بسبب دينه.
لقد أثبت الأردنيون والأردنيات أن في هذا الوطن قاعدة صلبة لمواطنة مسؤولة، علينا أن نبني عليها لترسيخ المساواة وصون التعددية في التعليم والخطاب العام والممارسة اليومية. فهذه القيم تحتاج إلى عمل متواصل يجعلها أساساً ثابتاً لحياتنا المشتركة.
في منطقة متعددة الأديان والأصول، وبأمسّ الحاجة إلى أطر تحمي هذا التنوّع وتتيح له أن يزدهر، أظهر الأردنيون ما يستطيعون تقديمه من مثال. والوفاء لشهدائنا يقتضي أن نحمل هذا المعنى معنا بعد انقضاء أيام العزاء: أن نصون وطناً يشعر فيه كل مواطن بأنه أصيل فيه، مساوٍ لغيره، وآمن على حياته وكرامته ومعتقده.
لهذا، ورغم وجعنا، كم نحن فخورون اليوم بأردنيتنا.