facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




كنيسة القديس جاورجيوس والاختبار الأمني: ما وراء ملاحقة الجناة


محمد نور الدباس
25-10-2026 07:17 PM

ليست خطورة الاعتداء المسلح على كنيسة القديس جاورجيوس في قرية حمود في محافظة الكرك محصورة في عدد الضحايا، ولا في مشهد الرصاص الذي اخترق حرمة مكان للعبادة ومراسم تشييع يفترض أن تسودها السكينة والوقار؛ فمثل هذه الحوادث تفتح أسئلة أعمق تتعلق بقدرة الدولة على استباق التهديدات، وكفاءة منظومتها الأمنية، ومدى قدرتها على حماية السلم الأهلي من محاولات العنف والتطرف.

إن القراءة الأمنية الجادة لهذه الحادثة لا ينبغي أن تنحصر في متابعة عمليات الملاحقة والقبض على المشتبه فيهم، على أهميتها، بل يجب أن تمتد إلى فهم طبيعة التهديد، ودوافعه، والظروف التي أحاطت به، وما إذا كانت هناك مؤشرات سابقة كان بالإمكان اكتشافها أو التعامل معها، وصولاً إلى استخلاص الدروس التي تمنع تكرار مثل هذه الاعتداءات، فالأمن الناجح لا يُقاس فقط بقدرته على التعامل مع الجريمة بعد وقوعها، وإنما أيضاً بقدرته على تقليل فرص وقوعها، وحماية المجتمع من آثارها المباشرة وغير المباشرة.

فمن مسرح الجريمة إلى منظومة الإنذار المبكر، حيث إن السؤال الأمني الأول الذي تفرضه الحادثة ليس فقط من أطلق النار؟ بل أيضاً التساؤل هل كانت هناك مؤشرات على احتمال وقوع الاعتداء؟ وهل توافرت معلومات سابقة ذات دلالة أمنية؟ وهل جرى تقييمها وتبادلها بين الجهات المختصة على النحو المناسب؟

هذه الأسئلة لا تعني افتراض وجود تقصير أمني، كما لا يجوز أن تتحول إلى اتهامات مسبقة بحق المؤسسات المعنية، فالحكم على كفاءة الأجهزة الأمنية يتطلب معلومات موثوقة ونتائج تحقيق واضحة، وليس مجرد الاستنتاج بأن وقوع الجريمة دليل على فشل الوقاية، لكن عدم افتراض التقصير لا يعني إعفاء المنظومة من المراجعة، فكل حادث أمني خطير ينبغي أن يكون مناسبة لتقييم منظومة الإنذار المبكر، وآليات تبادل المعلومات، وإجراءات تقدير المخاطر، ومدى الاستعداد للتعامل مع التهديدات المحتملة، وقد تكشف المراجعة عن خلل في جمع المعلومات أو تحليلها، وقد تثبت أن الاعتداء نُفذ دون مؤشرات موثوقة سابقة، وفي الحالتين، تظل المراجعة المؤسسية ضرورة لتعزيز الجاهزية، لا وسيلة لتوزيع الاتهامات.

فهل نحن أمام جريمة جنائية أم تهديد يتجاوز حدودها؟ فمن الأخطاء التي قد تقع فيها التحليلات المتعجلة أن تفترض الدافع قبل استكمال التحقيق، أو أن تنسب الحادثة إلى تنظيم أو جهة معينة دون أدلة كافية، فطبيعة الاعتداء، وهوية الضحايا، ومكان وقوعه وتوقيته، كلها عناصر تستوجب فحصاً دقيقاً للدوافع المحتملة، بما فيها الدوافع الشخصية أو الإجرامية أو الأيديولوجية أو الدينية، كما أن تعدد المشاركين في أي اعتداء، إذا ثبت، يستدعي التحقيق في احتمال وجود تنسيق مسبق أو مساعدة لوجستية، لكنه لا يكفي وحده لإثبات وجود شبكة منظمة أو ارتباط خارجي.

وإذا أثبت التحقيق أن الضحايا استُهدفوا بسبب انتمائهم الديني، فإن الأمر يتجاوز الاعتداء على أشخاص بعينهم إلى استهداف حرية المعتقد والأمن المجتمعي، أما إذا ثبت وجود قصد إرهابي يرمي إلى بث الرعب أو زعزعة الاستقرار، فإن ذلك يفرض فهماً أوسع للتهديد، يتناول مصادر التطرف ووسائل التجنيد والتحريض والدعم، في حدود ما تثبته الأدلة، وإن التمييز بين هذه الاحتمالات ليس ترفاً تحليلياً، بل شرط أساسي لبناء استجابة أمنية فعالة؛ لأن تشخيص التهديد بصورة خاطئة يقود إلى إجراءات لا تعالج أسبابه الحقيقية.

فمتى يصبح السلم الأهلي جزءاً من المعركة الأمنية، فإن الاعتداء على مكان للعبادة لا يستهدف بالضرورة ضحاياه المباشرين وحدهم؛ فقد تمتد آثاره إلى شعور جماعة دينية كاملة بالأمان، وإلى ثقة المواطنين بقدرة الدولة على حمايتهم، وإلى طبيعة العلاقات بين مكونات المجتمع.

وهنا تتجلى خطورة البعد الاستراتيجي للحادثة، فقد يسعى مرتكبو العنف، أو من يحاولون استثمار نتائجه، إلى تحويل الجريمة إلى حالة خوف عامة، أو إثارة الشكوك المتبادلة، أو دفع المجتمع إلى الاستقطاب والانتقام، لكن تحديد ما إذا كانت هذه الأهداف مقصودة في حادثة بعينها يظل مرتبطاً بالأدلة والتحقيق.

وفي جميع الأحوال، ينبغي ألا يُمنح مرتكبو العنف فرصة لتحقيق أي غاية تتجاوز فعلهم الإجرامي، فالمطلوب ليس فقط ملاحقتهم، بل أيضاً منع الشائعات وخطاب الكراهية والتعميم من توسيع دائرة الأذى، حيث إن المسيحيين الأردنيين ليسوا جماعة طارئة على الوطن، ولا مكوناً يحتاج إلى تبرير انتمائه؛ فهم شركاء أصيلون في تاريخ الأردن وحاضره ومستقبله، ومواطنون متساوون في الحقوق والواجبات، وأي اعتداء يستهدفهم بسبب دينهم هو اعتداء على مبدأ المواطنة، وعلى حق دستوري وإنساني أصيل، وعلى أمن المجتمع الأردني بأسره، فالأمن الوطني لا يتحقق بحماية فئة دون أخرى، وإنما بضمان أن تكون حياة كل مواطن وكرامته وحريته الدينية مصونة، وأن تكون سيادة القانون هي المرجعية التي تحكم الجميع.

وقوة الأجهزة الأمنية لديها الكفاءة الكافية للقيام بواجباتها بعيداً عن المساءلة، والتي تستحق من التقدير في هذه المرحلة دون طرح الأحكام المسبقة، وفي الوقت ذاته، فإن الثقة بالمؤسسات ليست مطروحة للنقاش، ومن الضروري، بعد استكمال الإجراءات المرتبطة بالحادثة، إجراء تقييم مؤسسي يتناول سرعة الاستجابة، وكفاءة التنسيق، وآليات جمع المعلومات وتبادلها، وحماية المدنيين، وسلامة إجراءات التحقيق، وإدارة الاتصال الإعلامي خلال الأزمة.

ولا ينبغي أن تكون هذه المراجعة بحثاً عن كبش فداء، أو محاولة لتبرير كل ما جرى؛ بل عملية لاستخلاص الدروس وتحديد ما نجح وما يحتاج إلى تطوير، ووضع إجراءات تصحيحية محددة بمسؤوليات واضحة ومؤشرات قابلة للقياس، كما أن الملاحقة الأمنية يجب أن تسير بالتوازي مع احترام القانون وقرينة البراءة والضمانات القضائية، فمواجهة العنف لا تبرر الاشتباه الجماعي أو تحميل مناطق أو عشائر أو جماعات دينية مسؤولية أفعال أفراد، وتوجيه الإجراءات إلى المسؤولين عن الجريمة، استناداً إلى الأدلة، هو ما يحافظ على شرعية الاستجابة الأمنية وفاعليتها.

ومن رد الفعل إلى الوقاية المستدامة؛ فإن الدرس الأهم من حادثة كنيسة حمود هو ضرورة الانتقال من الاستنفار المؤقت إلى الوقاية المستدامة، ويتطلب ذلك تطوير تقييم المخاطر المرتبطة بالتجمعات المدنية وأماكن العبادة، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية، والاستجابة المبكرة للمؤشرات الموثوقة على التحريض على العنف، وتطوير الاتصال الرسمي بما يمنع تضارب المعلومات وانتشار الشائعات.

كما ينبغي الاستثمار في الأمن المجتمعي، وبناء الثقة بين المواطنين والمؤسسات، وتوسيع قنوات التواصل التي تسمح بالإبلاغ عن المخاطر الحقيقية دون خلق مناخ من الخوف أو الوصم، فالمجتمع الواعي والمتماسك شريك في الوقاية، لكنه لا يحل محل المؤسسات المختصة، ولا ينبغي تحميله مسؤولياتها.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية الربط بين الأمن وسيادة القانون وحقوق الإنسان، فحماية الحق في الحياة، والحرية الدينية، والسلامة الشخصية ليست قيوداً على الوظيفة الأمنية، بل تمثل جوهرها وغايتها، وكلما كانت الإجراءات الأمنية قانونية ومتناسبة وخاضعة للمساءلة، ازدادت قدرة الدولة على كسب ثقة المجتمع وتجفيف البيئة التي قد يستغلها المتطرفون.

فالأمن يحمي الوطن ولا يكتفي بملاحقة الجريمة؛ فحادثة كنيسة حمود تضعنا أمام حقيقة لا ينبغي تجاهلها؛ أن مواجهة العنف لا تنتهي بانتهاء المطاردة، ولا تكتمل بمجرد القبض على الجناة؛ بل تبدأ مرحلة أخرى أكثر أهمية، تتمثل في فهم التهديد، ومراجعة منظومة الوقاية، وحماية المجتمع من التداعيات التي قد يراد لها أن تتجاوز حدود الجريمة، فقوة الدولة لا تظهر فقط في قدرتها على فرض النظام، وإنما في قدرتها على حماية المواطنين بعدالة، والاستجابة للمخاطر بكفاءة، ومحاسبة المسؤولين وفق القانون، ومنع الجريمة من التحول إلى شرخ في النسيج الوطني.

ولعل المعيار الحقيقي للنجاح الأمني هو أن تتحول هذه الحادثة إلى فرصة لتعزيز الجاهزية والثقة والمواطنة، لا إلى مناسبة لتبادل الاتهامات أو تأجيج الانقسامات، فالأردن لا يحمي جدران كنيسة أو أبواب مسجد فحسب؛ إنه يحمي حق الأردنيين جميعاً في الحياة الآمنة، وفي ممارسة شعائرهم، وفي الانتماء إلى وطن لا تكون فيه الهوية الدينية سبباً للخوف أو الاستهداف، ذلك هو الأمن الذي نحتاج إليه؛ أمن يستبق الجريمة ما استطاع، ويواجهها بحزم حين تقع، ويحاسب مرتكبيها بعدالة، ويحمي المجتمع من أهدافها، ويجعل سيادة القانون والتماسك الوطني ركيزتين لا تنفصل إحداهما عن الأخرى.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :