هل يدفع الأردن ثمن أمنه واستقراره ومواقفه؟
م. عبدالفتاح الدرادكة
25-10-2026 07:23 PM
إن ما شهدته قرية حمود في محافظة الكرك من اعتداء آثم على كنيسة، وما خلّفه من ألم وحزن وغضب في نفوس الأردنيين، يضعنا أمام تساؤل مهم: هل يدفع الأردن ثمن مواقفه الوطنية والقومية، وتمسكه بالأمن والاستقرار والتسامح والعيش المشترك، في منطقة تعصف بها الصراعات وتُستهدف فيها المجتمعات الآمنة؟
الأردن ليس مجرد مساحة جغرافية تحيط بها الأزمات، بل هو نموذج في التعايش بين أبنائه، على اختلاف أديانهم وطوائفهم ومنابتهم وأصولهم. وهو بلد قامت هويته الوطنية على الانتماء المشترك، واحترام الإنسان، والتكافل بين المواطنين، والاعتدال في الفكر والسلوك. ورغم ما يواجهه من تحديات اقتصادية ومعيشية وفوارق اجتماعية، فقد حافظ المجتمع الأردني على تماسكه، وبقيت قيم المحبة والتسامح والتضامن إحدى أهم ركائز استقراره.
ولعل ما يميز الأردن في محيطه المضطرب أنه استطاع، رغم محدودية موارده وصعوبة الظروف التي يمر بها، أن يحافظ على أمنه واستقراره، وأن يقدم نموذجاً في العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين، الذين يشكّلون معاً نسيجاً وطنياً واحداً، تجمعه المواطنة والتاريخ والمصير المشترك.
إن الاعتداء الذي شهدته كنيسة قرية حمود ليس مجرد حادثة تستهدف مكاناً للعبادة أو جماعة دينية بعينها، بل هو اعتداء على قيم المجتمع الأردني بأكمله، وعلى حق الإنسان في الحياة والأمن وممارسة شعائره الدينية بحرية وكرامة.
إن استهداف دور العبادة، أياً كان دينها، يمثل اعتداءً على حرمة الإنسان والمجتمع، ويستوجب موقفاً وطنياً واضحاً لا لبس فيه. فالمسلم والمسيحي في الأردن ليسا فريقين متقابلين، بل شريكان في الوطن، يجمعهما تاريخ طويل من العيش المشترك، وتربطهما مسؤولية الحفاظ على أمن البلاد ومستقبل أبنائها.
فلا يجوز أن نسمح لمجرم، مهما كانت دوافعه أو أفكاره، بأن ينجح في تمزيق النسيج الوطني أو زرع الشك بين أبناء المجتمع الواحد. إن قوة الأردن تكمن في وحدته، وأي محاولة للنيل من هذه الوحدة يجب أن تُواجَه بمزيد من التماسك والوعي والمسؤولية.
معركة الوعي في مواجهة التطرف
نحن اليوم أمام معركة لا تقل أهمية عن معارك حماية الحدود والأمن؛ إنها معركة الوعي والثقافة والفكر. فالتطرف لا يبدأ دائماً بجريمة، بل قد يبدأ بفكرة مغلقة، أو خطاب يحرّض على الكراهية، أو فهم متشدد للنصوص الدينية ينزع عنها مقاصد الرحمة والعدل، ويحوّل الاختلاف بين البشر إلى مبرر للإقصاء والعنف.
إن الفكر التكفيري الذي يستبيح دماء الناس وأعراضهم ومقدساتهم يشكّل خطراً على المجتمع والدين معاً. ولا يجوز أن يُترك المجال لأصحاب هذا الفكر كي يفرضوا قراءاتهم المتشددة على المجتمع، أو يتعاملوا مع الآخرين باعتبارهم خصوماً يجوز الاعتداء عليهم بسبب اختلاف الدين أو المذهب أو الرأي.
كما أن مواجهة التطرف لا تكون بالشعارات وحدها، ولا بمجرد إدانة الجريمة بعد وقوعها، بل تبدأ من الأسرة والمدرسة والجامعة والمسجد والكنيسة، ومن الإعلام والمؤسسات الثقافية والتربوية. وهي مسؤولية مشتركة تتطلب نشر ثقافة الاعتدال، وتعزيز التفكير النقدي، وتصحيح المفاهيم الدينية المغلوطة، وتطبيق القانون على كل من يحرّض على العنف أو يمارسه.
وقد حذّر الإسلام من الاعتداء على النفس الإنسانية، وجعل حفظ النفس من المقاصد الأساسية للشريعة. ويقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. كما أن قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ يؤكد النهي عن الاعتداء، ولا يجوز اقتطاع النصوص من سياقاتها لتبرير القتل أو التحريض على الأبرياء.
إن الدين الذي يدعو إلى الرحمة والعدل لا يمكن أن يكون غطاءً لقتل الأبرياء أو الاعتداء على دور العبادة. ولا يحق لأحد أن ينصّب نفسه قاضياً على إيمان الناس، أو أن يستبيح دماءهم بناءً على فهم متطرف أو تأويل منحرف.
الأردن أقوى بوحدته واعتداله
إن حماية الأردن لا تقتصر على الإجراءات الأمنية، على أهميتها، بل تتطلب حماية الوعي الوطني من خطاب الكراهية، وترسيخ الثقة بين المواطنين، والتصدي للأفكار التي تسعى إلى تقسيم المجتمع على أسس دينية أو فكرية أو اجتماعية.
ولذلك، فإن الرد على ما حدث في قرية حمود يجب ألا يقتصر على الغضب والإدانة، بل ينبغي أن يتحول إلى موقف وطني جامع يؤكد أن أمن الكنيسة من أمن المسجد، وأن كرامة المواطن المسيحي من كرامة المواطن المسلم، وأن الاعتداء على أي أردني هو اعتداء على الوطن كله.
كما أن من واجب الدولة كشف ملابسات الحادثة كاملة، وتقديم المسؤولين عنها إلى العدالة، وإطلاع الرأي العام على الحقائق التي يمكن إعلانها، بما يحول دون انتشار الشائعات أو استغلال الحادثة لتحقيق أهداف تتعارض مع المصلحة الوطنية.
إن الأردن، بقيادته الهاشمية ومؤسساته وشعبه، يمتلك رصيداً تاريخياً من الاعتدال والتسامح والقدرة على تجاوز الأزمات. وهذا الرصيد يجب أن نحافظ عليه، لا بالتساهل مع التطرف، ولا بالتعميم والاتهام، بل بالعدالة والحزم والحكمة، وبالتمسك بقيم المواطنة وسيادة القانون.
رحم الله شهداء الوطن، ونسأل الله تعالى الشفاء العاجل للمصابين، وحمى الله الأردن وأبناءه من كل سوء، وحفظ وحدته الوطنية وأمنه واستقراره.
ولتكن حادثة قرية حمود دافعاً إلى مزيد من التماسك والوعي، ورسالة واضحة بأن هذا الوطن سيبقى عصياً على الفتنة، وأن أبناءه، مسلمين ومسيحيين، شركاء في حاضره ومستقبله، وأن الاعتدال ليس ضعفاً، بل هو أساس قوة المجتمعات واستمرارها.
والله من وراء القصد.