facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حقوق الموتى بين الفلسفة والقانون الدولي: لمن تعود ملكية الجسد بعد الوفاة؟


د.عبدالفتاح طوقان
25-10-2026 07:13 PM

هل تنتهي كرامة الإنسان بموته، أم تبقى له حرمة تفرض على الأحياء احترام جسده ومعتقداته حتى بعد آلاف السنين؟ ومن يملك الحق في عرض المومياوات البشرية داخل المتاحف، وهل تكفي الحيازة القانونية لتبرير الاحتفاظ بها وعرضها أمام الجمهور؟

عاد هذا الجدل إلى الواجهة مع قرار متحف «هانتريان» في غلاسكو باسكتلندا حجب مومياء المصرية «شيب-إن-حور»، التي عُرضت لأكثر من مئتي عام، بدعوى احترام خصوصيتها بعد الموت.

وسبق ذلك قرار متحف مانشستر في إنجلترا سحب مومياء المصرية «أسرو» من العرض العام بعد نحو قرنين من عرضها. وفي هولندا، أُزيلت مومياء طفل مصري عُرفت باسم «الطفل العاري» من العرض في المتحف الوطني للآثار بمدينة لايدن عام ٢٠١٦ بعد أن ظلت معروضة منذ القرن التاسع عشر، في سياق مراجعة أساليب عرض الرفات البشرية والاعتبارات الأخلاقية المرتبطة بها.
هذه الوقائع ليست مجرد تغييرات في سياسات العرض المتحفي، بل تعكس تحولًا في النظرة القانونية والأخلاقية إلى الجسد البشري بعد الوفاة.

هل للموتى حقوق قانونية؟

لا يمنح القانون في معظم الأنظمة المتوفى الشخصية القانونية الكاملة التي يتمتع بها الإنسان الحي، لكن ذلك لا يعني أن جثمانه أصبح مالًا عاديًا يجوز التصرف فيه دون قيود. فثمة فرق بين ملكية الممتلكات، وحيازة الرفات، والمسؤولية عن حفظها وصون حرمتها.
وقد تستمر بعد الوفاة التزامات تتعلق باحترام وصية المتوفى، وصيانة كرامته، وعدم انتهاك حرمة جسده أو استخدامه بما يتعارض مع إرادته المعروفة. كما قد تتأثر حقوق الأسرة والمجتمعات المرتبطة بالرفات دينيًا وثقافيًا بطريقة التعامل معها.

ومن المنظور الفلسفي، لا تتوقف المسألة على قدرة الميت على الشعور بالإهانة، بل على واجب الأحياء في احترام الإنسان الذي كانه. فالجسد الذي عاش صاحبه واعتقد وحلم لا يتحول تلقائيًا إلى أداة للعرض أو وسيلة لجذب الزوار لمجرد انقضاء حياته.

ماذا يقول القانون الدولي؟
لا يوجد حتى الآن نظام دولي موحد يمنح جميع الموتى حقوقًا قانونية شاملة، لكن توجد قواعد واتفاقيات ذات صلة.
فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان يؤكد الكرامة الإنسانية، وإن لم ينص صراحة على حق مستقل للميت في حماية جثمانه. وتتناول اتفاقية اليونسكو لعام ١٩٧٠ مكافحة النقل والاتجار غير المشروعين بالممتلكات الثقافية، مع مراعاة نطاق تطبيقها وشروطها الزمنية والقانونية، ولا سيما أن كثيرًا من المومياوات نُقلت إلى أوروبا قبل اعتمادها.

كذلك، ينص إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية لعام ٢٠٠٧ على حق هذه الشعوب في إعادة رفاتها البشرية، ويدعو إلى آليات عادلة وشفافة لتيسير الإعادة. غير أن نطاق هذا الإعلان يرتبط بحقوق الشعوب الأصلية، ولا يجوز اعتباره حكمًا تلقائيًا ينطبق على كل مطالبة باسترداد الرفات.
أما القانون الدولي الإنساني، فيفرض في سياقات النزاعات المسلحة الخاضعة لأحكامه التزامات باحترام الموتى والتعامل مع جثامينهم بما يصون كرامتهم. وتؤكد هذه القواعد مبدأً مهمًا، لكنها لا تشكل وحدها نظامًا شاملًا لإدارة المومياوات الأثرية في المتاحف.

هل يبرر العلم عرض الأجساد البشرية؟

تتمسك المتاحف بحجج علمية وتعليمية مشروعة، منها دراسة التحنيط والطب القديم والتاريخ والطقوس الجنائزية. لكن قيمة البحث العلمي لا تمنح المؤسسات سلطة مطلقة على الرفات البشرية.

ينبغي التمييز بين عرض المومياء لأغراض تعليمية موثقة، وعرضها بوصفها مشهدًا مثيرًا أو مادة للفرجة. كما يجب التحقق من ظروف اقتنائها، ومدى مشروعية نقلها، وإمكان تحقيق الغرض العلمي بوسائل أقل مساسًا بحرمة الجسد، مثل التصوير الطبي والنماذج الرقمية.
ولا يعني ذلك أن إخفاء المومياوات هو الحل الوحيد، بل إن القرار يجب أن يستند إلى تقييم أخلاقي وقانوني واضح، مع التشاور مع الجهات والمجتمعات ذات الصلة.

نحو ميثاق دولي لحقوق الموتى

أقترح وضع ميثاق دولي لأخلاقيات التعامل مع الرفات البشرية، يتضمن توثيق مصادر الاقتناء، ومراجعة مشروعية الحيازة، وتنظيم العرض والبحث العلمي، وضبط الاستخدام التجاري والصور الرقمية، وإنشاء آلية مستقلة للنظر في طلبات الإعادة.

كما ينبغي ألا تنفرد المؤسسة الحائزة للرفات بتقرير مصيرها في النزاعات المتعلقة بها، بل يجب أن تكون قراراتها شفافة ومسببة وقابلة للمراجعة، مع احترام القوانين الوطنية والالتزامات الدولية المنطبقة.
إن إخفاء مومياء أو تغطيتها لا يصحح وحده ظروف اقتنائها، مثلما أن مرور الزمن لا يمنح المتحف تلقائيًا حقًا أخلاقيًا مطلقًا في الاحتفاظ بها.

فالموت قد ينهي الشخصية القانونية في جوانب عديدة، لكنه لا يمحو واجب احترام الإنسان، ولا يحوّل جسده إلى ملكية مباحة بلا حدود.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن تواجهه المتاحف والمشرّعون معًا: إذا كنا نرفض أن تتحول أجسادنا بعد الموت إلى أدوات للفرجة، فبأي مبرر نفترض أن أصحاب المومياوات كانوا
سيقبلون ذلك؟

واقصد أن صيانة حقوق الموتى ليست مجرد طقوس اجتماعية أو دينية، بل هي مؤشر أساسي على تحضر المجتمعات وسيادة القانون فيها.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :