facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الأردن قرية واحدة نظرية الست درجات في مجتمعنا


د. جهاد يونس القديمات
25-10-2026 06:55 PM

كثيرا ما نلتقي بأشخاص لا نعرفهم، ثم نكتشف بعد دقائق من الحديث أن بيننا وبينهم معرفة مشتركة، فقد يكون صديقا قديما أو زميلا في العمل أو أحد الأقارب، مررت شخصيا بمثل هذه المواقف في مناسبات اجتماعية مختلفة، وكان يلفت انتباهي كيف يقود حديث عابر إلى أسماء مألوفة وصلات لم تخطر ببالي، في مثل هذه اللحظات، أشعر أن الطرق التي سلكناها في حياتنا ليست متباعدة كما نتصور، وأن الأردن على اتساع مدنه ومحافظاته، قد يبدو أحيانا قرية واحدة.

تذكرني هذه المواقف بنظرية الدرجات الست من الانفصال Six Degrees of Separation ، التي تقوم فكرتها على أن المسافة الاجتماعية بين شخصين قد تكون أقصر مما نتوقع، لأن الوصول إلى أحدهما قد يتم عبر سلسلة من المعارف، فقد يعرف شخص صديقا لي، ويعرف هذا الصديق شخصا آخر يرتبط به، وهكذا نصل إلى أشخاص لم نلتق بهم من قبل. في الأردن، تبدأ علاقاتنا غالبا من العائلة والجيران، ثم تتسع مع الدراسة والعمل والصداقة، وقد نكتشف ومع مرور الوقت أن شخصا تعرفنا إليه في مكان ما يعرف أشخاصا نعرفهم، أو تربطه بهم حكايات لم نكن نعرف عنها شيئا، وقد يكون زميل الجامعة حلقة وصل مع زميل في العمل، أو يقودنا الانتقال إلى مدينة أخرى إلى علاقات جديدة تمتد إلى أشخاص من بيئات مختلفة، وهكذا تتقاطع مسارات الناس، وتبدو المسافة بينهم أحيانا أقصر مما توحي به المسافة الجغرافية.

تظهر هذه الصلات في مواقف إنسانية لا يكون التعارف غايتها الأساسية، ويأتي العزاء مثالا على ذلك، ففي أثناء مواساة أهل الفقيد، قد نلتقي بشخص نعرفه منذ سنوات، أو نتعرف إلى آخر يجمعنا به صديق أو قريب مشترك، وقد يقود حديث جانبي أو استعادة ذكرى إلى اكتشاف هذه الصلة بصورة عفوية، في مثل هذه المواقف، لا يكون التعارف هو المقصود، لكننا نخرج أحيانا بانطباع جديد عن اتساع العلاقات التي تحيط بنا، وعن أناس تجمعنا بهم روابط لم نكن نعرف بوجودها.

لا يعيش الجميع التجربة نفسها، فدائرة المعارف تختلف من شخص إلى آخر، بحسب ظروف الحياة وطبيعة العمل والدراسة والبيئة الاجتماعية، كما أن الانتقال بين المحافظات للسكن أو العمل أو الدراسة يتيح فرصا للتعرف إلى أشخاص جدد، لذلك،عندما نقول إن الأردن قرية واحدة، فنحن نعبر عن شعور نلمسه في مواقف كثيرة، لا عن حقيقة تعني أن الجميع يعرف بعضهم بعضا أو أن العلاقات متشابهة لدى الجميع، كذلك لا تكفي هذه المواقف للقول إن الأردنيين أقرب اجتماعيا من غيرهم؛ فمثل هذا الحكم يحتاج إلى دراسات تقيس العلاقات الاجتماعية وتقارن بينها.

أصبحت ملاحظة بعض هذه الصلات أسهل مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، إذ يمكننا رؤية الأصدقاء المشتركين، أو العثور على أشخاص انقطعت أخبارهم منذ سنوات، لكن ظهور اسم شخص ضمن قائمة الأصدقاء المشتركين لا يعني بالضرورة وجود علاقة قوية بين الأطراف، فهناك فرق بين أن نعرف شخصا بالاسم وأن نعرفه عن قرب، وبين التواصل عبر الشاشة وبناء علاقة تنمو مع الوقت والمواقف المشتركة، قد تساعدنا التكنولوجيا على اكتشاف الروابط، لكنها لا تضمن أن تتحول إلى علاقات عميقة.

لا تتوقف أهمية هذه العلاقات عند اكتشاف المعارف المشتركة؛ فقد يكون أحدهم سببا في فرصة عمل، أو بابا لتبادل الخبرات، أو شخصا نجده إلى جانبنا عندما نحتاج إلى المساعدة، وعندما تقوم العلاقات على الثقة والاحترام، تصبح وسيلة للتعاون والتكافل، لكن كثرة الروابط ليست إيجابية دائما؛ فقد تسهم العلاقات المتشابكة في انتشار الشائعات، أو تجعل الحفاظ على الخصوصية أكثر صعوبة، أو تتحول إلى وسيلة للمحاباة على حساب الكفاءة والاستحقاق، لذلك ليست المسألة في عدد الأشخاص الذين نعرفهم، بل في الطريقة التي نتعامل بها معهم، وفي قدرتنا على الاستفادة من هذه العلاقات دون الإضرار بحقوق الآخرين.

ربما لا يكون الأردن قرية واحدة بالمعنى الحرفي، لكنه يبدو كذلك كلما اكتشفنا أن بيننا وبين أشخاص لم نلتق بهم روابط لم نتوقعها، ومع ذلك، فإن معرفة الأشخاص لا تعني أننا نعرفهم حقا، وتشابك العلاقات لا يعني بالضرورة تقارب النفوس، فقد تجمعنا بالآخرين أسماء ومعارف مشتركة، لكن ما يصنع الفرق هو كيف نتعامل معهم، وكيف نحفظ الود ونحترم الخصوصية ونقف إلى جانب بعضنا حين تدعو الحاجة، فليس المهم كم شخصا نعرف، بل كم إنسانا نترك في حياته أثرا طيبا.






  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :