facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




من استهداف رجال الأمن إلى إباحة دم المدنيين: هل تغيّرت فتوى الإرهاب في الأردن؟


حازم سالم الضمور
26-10-2026 05:55 PM

لا يمكن النظر إلى الاعتداء الإرهابي الغاشم على كنيسة حمود في الكرك، الذي وقع في 23 من أكتوبر 2026، باعتباره مجرد اعتداء إرهابي آخر يُضاف إلى سجل المواجهة الأردنية الطويلة مع التطرف؛ إنها حادثة تستدعي قراءة تتجاوز عدد الضحايا وبشاعة الجريمة إلى سؤال أكثر خطورة: هل نشهد تحولًا في المرجعيات الشرعية التي تحكم سلوك الجماعات التكفيرية داخل الأردن، وانتقالًا من التركيز على استهداف الأجهزة الأمنية إلى إباحة استهداف المدنيين دون تمييز؟

هذا السؤال ليس تفصيلًا فكريًا أو نقاشًا فقهيًا معزولًا عن الأمن الوطني؛ بل يتعلق بإمكانية تغيّر طبيعة التهديد الإرهابي نفسه، وانتقاله من نمط يمكن تحديد أهدافه التقليدية إلى نمط أكثر عشوائية واتساعًا، لا يعترف بحرمة الدم، ولا يُميّز بين مسلم ومسيحي، ولا بين رجل أمن ومواطن أعزل.

فقد شهد الأردن، خلال مراحل سابقة، وجود اختلاف واضح وعلني داخل بعض الأوساط السلفية الجهادية بشأن مشروعية استهداف المدنيين. وبينما أجازت مرجعيات متطرفة استهداف الأجهزة الأمنية والعسكرية بذريعة اعتبارها جزءًا من منظومة الدولة وقوة إنفاذ القانون، عارضت مرجعيات أخرى توسيع دائرة القتل لتشمل المدنيين. وهذه الاختلافات لم تكن بالضرورة نابعة من احترام الحياة الإنسانية، وإنما بناءً على حسابات فقهية وتنظيمية ومصلحية داخل الفكر التكفيري ذاته.

لكن من الضروري التمييز بين وجود هذه القيود لدى بعض «المنظّرين الشرعيين» وبين اعتبارها قاعدة التزمت بها جميع التنظيمات الإرهابية في الأردن؛ فالتاريخ الأردني عرف اعتداءات أوقعت ضحايا مدنيين، من بينها تفجيرات عمّان عام 2005؛ لكنها كانت من الخارج، وبأوامر من تنظيم دولي، ونفذها أشخاص غير أردنيين. ومع ذلك، فإن استهداف مشيعين عُزّل في دار عبادة، بالطريقة التي شهدتها قرية حمود، يفتح بابًا مشروعًا للتساؤل عما إذا كانت هناك مراجعة داخل بعض البيئات المتطرفة لقواعد اختيار الأهداف، أو انتقال إلى تبني فتاوى أكثر دموية كانت معروفة في ساحات إقليمية أخرى؛ فالخطر الحقيقي لا يبدأ عندما يضغط الإرهابي على الزناد، وإنما عندما يقتنع بأن قتل الإنسان أصبح واجبًا شرعيًا.

لقد شهدت العراق وسوريا ومصر نماذج متعددة من هذا الانحراف، حين تحولت الفتوى التكفيرية إلى أداة لإنتاج القتل الجماعي، ولم تعد هوية الضحية أو مشاركتها في أي مواجهة شرطًا لاستهدافها؛ وتحت عناوين مثل التكفير والردة والتترس، ابتكرت التنظيمات الإرهابية منظومات تبريرية جعلت من المدني هدفًا مشروعًا، ومن الأسواق ودور العبادة والتجمعات الإنسانية ساحات للقتل.

وهنا تكمن المفارقة الأكثر خطورة في عقلية الإرهابي التكفيري؛ فهو قد لا يمتلك القدرة التحليلية على تفسير النصوص التي يستند إليها، ولا المعرفة الشرعية التي تؤهله لمناقشتها، لكنه يمتلك استعدادًا نفسيًا وتنظيميًا لتنفيذ أكثر الجرائم وحشية بمجرد حصوله على إذن من مرجعية يعتقد أنها تمتلك سلطة التحليل والتحريم.

إننا أمام عقول جرى تجريدها من التفكير، وحُرِّم عليها التفكير بسبب منظّر شرعي أخذ مكانته لأي سبب؛ وتم إخضاعها لعملية غسل أيديولوجي تجعل الإنسان عاجزًا عن التمييز بين الدين والجريمة. وقد يكون المنفذ ساذجًا في فهمه للدين والسياسة، لكنه ليس بالضرورة بسيطًا في مستوى خطورته أو قدرته على التخطيط. وهذه واحدة من أخطر خصائص موجات الإرهاب الجديدة، التي استطاعت، بفضل وسائل التواصل الاجتماعي، أن تحوّل الجهل إلى يقين، واليقين الزائف إلى رصاص.

من هنا، فإن البحث عن منفذي جريمة الاعتداء الإرهابي على حمود، والأردن بكل شبر منها، على ضرورته، لا ينبغي أن يحجب السؤال الأهم، الذي يتمثل في: من منحهم الشرعية الفكرية للقتل؟ وهل ارتبطت الجريمة بتوجيه تنظيمي مباشر، أم بتحريض عابر للحدود، أم بانتقال أفكار تكفيرية أكثر تشددًا إلى بيئات محلية؟ ومن الذي نجح في إقناع هؤلاء بأن إراقة دماء الأبرياء يمكن أن تكون عملًا دينيًا يتقربون فيه إلى الله؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة تكتسب أهمية مضاعفة بالنظر إلى موقع الأردن الجيوسياسي؛ فالمملكة ليست معزولة عما يجري في محيطها الإقليمي، بل تقع في قلب بيئة مضطربة شهدت حروبًا وانهيارات أمنية وصعود تنظيمات متطرفة وتفكك شبكاتها وإعادة تشكّلها وتسلمها الحكم في دول معينة. ومن الخطأ الاستراتيجي الاعتقاد بأن التحولات التي تصيب بنية التنظيمات الإرهابية في العراق وسوريا وغيرها من الدول ستبقى محصورة داخل حدود تلك الدول.

فالتنظيمات قد تخسر أراضيها وقياداتها ومصادر تمويلها، لكنها تستطيع الاحتفاظ بأفكارها ومرجعياتها وشبكات تأثيرها. والأشد خطورة أن انتقال الفتوى اليوم لا يحتاج بالضرورة إلى انتقال المقاتل أو التنظيم؛ فقد تكفي مادة تحريضية رقمية أو علاقة سرية محدودة لنقل المبرر الفكري الذي يسبق تنفيذ الجريمة.

لا شك أن قوات إنفاذ القانون تدرك أن فرضية انتقال نمط أوسع من إباحة دم المدنيين إلى حملة الفكر المتطرف في الأردن هي في صدارة التحقيقات والتقديرات الأمنية، خصوصًا إذا أثبتت الأدلة وجود صلة بين منفذي الاعتداء ومرجعيات تكفيرية عابرة للحدود.

ومن المهم أن نعي، كأردنيين، أن استهداف كنيسة لا يعني بالضرورة أن الخطر محصور بالمسيحيين، مثلما أن استهداف رجال الأمن لا يعني أن العداء مقتصر على الدولة بمؤسساتها؛ فالمنطق التكفيري، عندما يتوسع في إباحة الدماء، يستطيع إعادة تعريف العدو باستمرار، وصولًا إلى استهداف أي مواطن لا يخضع لتصوراته العقائدية. ومن هنا، فإن الضحية المحتملة التالية قد تكون أي أردني، بصرف النظر عن دينه أو مذهبه أو موقعه الاجتماعي.

وهذه الحقيقة، للأسف، تفرض على قوات إنفاذ القانون ذات العلاقة انتقالًا في المقاربة الأمنية والفكرية، لا في حجم الإجراءات وحدها، بل في طبيعة فهم التهديد. فلم يعد كافيًا تتبّع من يحمل السلاح؛ بل ينبغي أيضًا تحديد من ينتج المبرر الشرعي لحمله، ومن يمنح القاتل الوهم بأنه يؤدي واجبًا دينيًا، ومن يعمل على تحويل الكراهية إلى التزام عقائدي.

فمواجهة الإرهاب لا تُحسم فقط بمنع وقوع الاعتداء، وإنما بتفكيك البيئة الفكرية التي تجعل تكراره ممكنًا. وهذا يتطلب جهدًا استخباريًا متخصصًا في تتبّع التحولات داخل الخطاب التكفيري، ورصد المرجعيات المؤثرة في الخلايا والأفراد، وتحليل ما إذا كانت هناك تغيرات في قواعد اختيار الأهداف والفتاوى التي يستخدمها المتطرفون لتبرير القتل؛ كما يتطلب خطابًا دينيًا علميًا أكثر قدرة على تفكيك المنظومات التي توظف النصوص الدينية لإضفاء المشروعية على الجرائم، بالإضافة إلى مراقبة الفضاء الإلكتروني الذي ينقل هذه الأفكار المسمومة بسرعة كبيرة. وبالرغم مما يتطلبه ذلك من جهد، فقد بات بإمكاننا الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي في رصد وتحليل المزاج العام واتجاهاته، ووضع العلامات الحمراء على الأشخاص المؤهلين للانتقال من مرحلة الكتابة على شاشة الهاتف إلى حمل السلاح في وجهنا.

وعلى الإرهابيين الذين خاب ظنهم ومسعاهم أن يعلموا أن الأردن، بتجاربه المتعددة، لا يمكن أن يتحول فيه اعتداء بعينه إلى مصدر خوف مجتمعي أو توتر طائفي؛ لأننا، كشعب أردني، من رأس الهرم إلى أصغر طفل وطفلة، نتماسك في الشدائد ونلتف حول العلم والتراب والقيادة. فلم يسبق أن نجحت التنظيمات الإرهابية في نقل أثر الجريمة من الضحايا المباشرين إلى المجتمع بأكمله، وإضعاف الثقة بين مكوناته، وإقناع المواطنين بأن أمنهم المشترك لم يعد مضمونًا.

إن الأردن الذي واجه الإرهاب لعقود، وقدم شهداء من قواته المسلحة وأجهزته الأمنية ومواطنيه، يمتلك من الخبرة المؤسسية والتماسك الوطني ما يجعله قادرًا على مواجهة أي تنظيم إرهابي أو جماعة تكفيرية أو تشكيل خارج عن القانون. وقوة الدولة الأردنية لا تستند إلى قدرتها العسكرية والأمنية وحدها، بل إلى شرعيتها ومؤسساتها ووحدة مجتمعها، وإلى حقيقة أن الأردنيين، مسلمين ومسيحيين، لا يشكلون جماعات متجاورة يجمعها المكان، وإنما شعبًا واحدًا يجمعه التاريخ والمصير والمواطنة، رافضًا كل توصيفات التعايش والأقلية؛ فهي مدخل للفتنة. فكلنا أردنيون.

بحكم متابعتي، أعتقد أن الإرهابيين يخطئون دائمًا في فهم الأردن؛ ظنوا أن الإرهاب قادر على زعزعة الثقة بالدولة، وأن الدم يمكن أن يكسر إرادة المجتمع، وأن نشر الخوف قد يفتح لهم الطريق إلى إضعاف التماسك الاجتماعي؛ لكن التجربة الأردنية أثبتت أن الإرهاب قد يوقع الألم والحزن، لكنه لن يستطيع فرض مشروعه على الدولة والمجتمع.

إن ما جرى في حمود قد يكون مؤشرًا إلى تحول أخطر في عقلية الاستهداف الإرهابي، يستوجب التحقق منه قبل الجزم بأبعاده؛ أما الحقيقة التي لا تحتاج إلى تحقيق، فهي أن أي فتوى تبيح قتل الأبرياء ليست تعبيرًا عن الدين، وإنما محاولة لمنح الجريمة حصانة زائفة باسم الدين.

ولذلك، فإن المعركة المقبلة لا ينبغي أن تقتصر على ملاحقة الإرهابي الذي يحمل السلاح، وإنما يجب أن تشمل تفكيك السلطة الفكرية التي أقنعته بأن قتل الإنسان عبادة، وأن دم الأردني يمكن أن يصبح مباحًا بقرار من منظّر متطرف؛ فالأردن يخوض مواجهة طويلة مع الإرهاب، لكنه ليس دولة تعيش تحت رحمة الإرهابيين، ولا دولة تنتظر منهم أن يقرروا من يجوز له الحياة ومن يستحق الموت.

وليعلم هؤلاء أن الفتوى التي تمنحهم وهمًا بإباحة الدم لا تمنحهم قوة في مواجهة الدولة؛ فالأردن أقوى من تنظيماتهم، وأرسخ من عقائدهم المريضة، وأبقى من كل مشاريعهم العابرة. الإرهاب قد يقتل إنسانًا، لكنه لن يستطيع قتل وطن.

رحم الله شهداء الأردن وحمود، وحفظ الله هذا البلد حرًا عزيزًا شامخًا.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :