"الأردن أذكى من الفخّ وأكبر من المؤامرة......ورح نفرجيهم"
لم يكن الاعتداء الغاشم الذي استهدف أبرياء في بلدة حمود بمحافظة الكرك مجرّد جريمة أدمت القلوب، بل طعنة غادرة في قلب الأردن، ومحاولة آثمة للنيل من نسيجه الوطني، وزرع بذور الفتنة بين أبناء وطنٍ جمعهم التاريخ والأرض والدم والمصير المشترك.
إن استهداف الأبرياء في دور العبادة جريمة لا يبرّرها دين، ولا تسترها شعارات، ولا تمنح مرتكبيها صكًّا للانتساب إلى الإسلام، فالإسلام بريء من فكر التكفير والكراهية، ومن كل يدٍ تمتد إلى روح بريئة أو تستبيح حرمة مكان مقدّس. ومن يقتل باسم الدين إنما يسيء إليه، ويقف على النقيض من جوهره القائم على الرحمة وصون النفس واحترام الإنسان.
إن أخطر ما في هذه الجريمة ليس الدم الذي أُريق فحسب، بل الرهان على أن يتحوّل هذا الدم إلى شرخ في جسد الوطن. وهنا تكمن مسؤولية الأردنيين جميعًا، ألّا يمنحوا الفتنة ما عجزت عنه الجريمة، وألّا يسمحوا للمجرمين بأن يحصدوا من وراء رصاصهم انقسامًا بين مسلم ومسيحي، أو خصومة بين أبناء العشيرة الواحدة، أو شرخا في جدار الوحدة الوطنية.
لقد أكّد جلالة الملك عبد الله الثاني، في مواقفه الداعية إلى التماسك والتعايش بين الأديان، أن الأردن يحمل رسالة إنسانية راسخة، وأن الاختلاف لا يكون يوما مبررا للكراهية أو العنف. وأمام هذا الاعتداء، تبرز أهمية التمسك بهذه الرسالة أكثر من أي وقت مضى، فالأردن الذي يؤمن بالتآخي لا تهزّه رصاصة، ولا تتراجع قيمه أمام فكر متطرّف، ولا يتخلّى عن ثوابته تحت وطأة الألم.
وقد يرى الأردنيون في توقيت الجريمة وما تحمله من آثار على السلم المجتمعي ما يثير التساؤلات بشأن الجهات التي قد تستفيد من إشعال الفتن في المنطقة. غير أن كشف أي ارتباطات أو أجندات خارجية يبقى مسؤولية التحقيق والأدلة، فيما تظل الحقيقة الوطنية الأوضح أن كل من يستهدف أمن الأردن ووحدة أبنائه يخدم غايةً معاديةً لاستقراره، أيًّا كانت دوافعه أو الجهات التي تقف وراءه.
خسئ كل رهانٍ على انقسام الأردنيين، وخابت كل محاولةٍ لزرع الكراهية في أرضٍ ارتوت عبر تاريخها بقيم النخوة والوفاء والتآخي. فالمسلم والمسيحي في الأردن ليسا غريبين أحدهما عن الآخر، إنهما شريكان في الوطن، وفي أفراحه وأحزانه، وفي صون أمنه وبناء مستقبله. والكنيسة التي استُهدفت ليست شأنا يخص أبناء طائفة بعينها، بل جرحٌ في قلب كل أردني، كما أن الاعتداء على مسجد أو أي مكان عبادة هو اعتداء على كرامة الوطن كله.
وفي هذه اللحظة الفارقة، يقف الأردنيون كالبنيان المرصوص، ملتفّين حول قيادتهم الهاشمية، ومؤمنين بأن قوة الدولة في وحدتها، وأن أمن الوطن خطّ أحمر لا يقبل المساومة. فالولاء للأردن ليس شعارًا يُرفع في أوقات الرخاء، بل موقفٌ يُترجم في المحن، ووعيٌ يرفض الشائعات والتحريض، وثقةٌ بمؤسسات الدولة وأجهزتها في كشف الجناة ومحاسبتهم وفق القانون.
إن الكرك، بتاريخها الوطني العريق، أكبر من أن تكون ساحةً للفتنة، وأهلها أرفع من أن يسمحوا للمجرمين بتغيير وجهها أو تشويه إرثها. وما حدث يجب ألّا يكون بدايةً للانقسام، بل نقطة انطلاق نحو مزيد من التلاحم الديني والوطني، وتجديد العهد بأن يبقى الأردن بيتًا واحدًا، تتعدد فيه المعتقدات، وتتوحد فيه القلوب على محبة الوطن.
رحم الله الضحايا، وألهم ذويهم الصبر، ومنّ على المصابين بالشفاء. وليعلم كل من يراهن على تفكيك هذا الوطن أن الأردنيين، مهما اشتدّت المحن، يعرفون كيف يصونون بيتهم، ويحفظون عهدهم، ويحمون وحدتهم.
سيبقى الأردن عصيّا على الفتنة، وستبقى رايته الهاشمية جامعةً لأبنائه، وسيظلّ التآخي بين الأردنيين أقوى من رصاص الغدر، وأبقى من أوهام الكراهية. فحين يُراد للأردن أن ينقسم، يزداد الأردنيون وحدةً، وحين يُستهدف الوطن، يقف أبناؤه صفّا واحدا دفاعا عن أرضه وكرامته ومستقبله.
الأردن أذكى من الفخّ
وأكبر من المؤامرة......ورح نفرجيهم..........