الفتوى والرأي .. حين تكون «لا أعلم» قمة العلم
كامل الروضان
26-10-2026 05:39 PM
نقود سياراتنا وسط ضجيج الشوارع وأزمات السير، فنبحث عن لحظة هدوء مع أغنية لفيروز، أو نستمع إلى برنامج علمي أو وثائقي يضيف إلى معرفتنا معلومة جديدة. وأحيانًا ننتقل بين المحطات ومقاطع يوتيوب، فنجد أنفسنا أمام برامج الفتاوى. نستمع بدافع محبتنا لديننا وحرصنا على فهمه، فهو دين السماحة والتعايش واحترام الإنسان. لكن هنا يبرز سؤال مهم: هل كل قضية في حياتنا تحتاج إلى فتوى، وهل لكل سؤال جواب جاهز؟
من الضروري أن نميز بين الفتوى والرأي. فالفتوى بيان للحكم الشرعي في مسألة معينة، يصدر عن أهل الاختصاص وفق أصول العلم وضوابطه، أما الرأي فهو وجهة نظر أو اجتهاد قد يختلف فيه الناس بحسب خبراتهم ومعارفهم. وليس كل نقاش فتوى، ولا كل اختلاف في الرأي خلافًا في الدين.
ومع كامل الاحترام والتقدير لعلمائنا ومشايخنا ولدورهم الكبير في المجتمع، فإننا لا ننتقد أحدًا، بل ندعو إلى ترسيخ ثقافة التخصص. فالحياة تتغير، وتظهر قضايا جديدة في الاقتصاد والتكنولوجيا والعلاقات الاجتماعية، وقد تحتاج إلى تعاون العالم الشرعي مع الطبيب والقانوني والخبير الاجتماعي، كلٌّ في مجال اختصاصه.
لقد تعلمنا في المدارس والجامعات أن المعرفة واسعة، وأن الشهادة، مهما علت، لا تجعل صاحبها عالمًا بكل شيء. فلماذا لا تكون عبارة «لا أعلم، سأبحث وأسأل أهل الاختصاص» دليلًا على الأمانة والثقة؟ إن الاعتراف بحدود المعرفة لا ينتقص من مكانة العالم، بل يزيده احترامًا.
فلو كان على شخص واحد أن يجيب عن جميع شؤون الحياة، لما احتجنا إلى جامعات ومراكز أبحاث ومختبرات. لكل علم أهله، ولكل مسألة أدواتها.
إن ديننا ثابت في أصوله، وسماحته تعلمنا احترام عقول الناس وقبول الاختلاف بالحوار. وقد اكتمل الوحي بوفاة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يعد أحد معصومًا من الخطأ.
نريد خطابًا يقرّب الناس من دينهم، ويعزز ثقتهم بعلمائهم، ويحترم التخصص. فالعلم الحقيقي لا يعني أن نملك إجابة عن كل سؤال، بل أن نمتلك الشجاعة والأمانة لنقول: «لا أعلم» عندما لا نعلم.