خطاب العرش: عقيدة الردع وحصانة الداخل
فراس المجالي
03-11-2026 04:07 PM
لا يستقيم فهم خطاب العرش الذي ألقاه جلالة الملك عبد الله الثاني تحت قبة مجلس الأمة أمس الاثنين، دون وضعه في إطاره الحقيقي بوصفه وثيقة أمن قومي، ومقاربة فكرية وسياسية شاملة لتشخيص لحظة تاريخية حرجة يمر بها الإقليم.
فمضامين الخطاب تكشف أننا أمام عقل استراتيجي يعيد ترتيب أولويات الدولة الأردنية في مواجهة بيئة إقليمية مضطربة، يتآكل فيها مفهوم الدولة الوطنية وتتصاعد فيها التهديدات العابرة للحدود، ناقلاً موقع الأردن من خانة التلقي الدفاعي إلى مركز الفعل السيادي القادر على إنتاج الاستقرار وحماية مجاله الحيوي.
لقد انطلق جلالته من إدراك عميق لطبيعة التحولات الجيوسياسية المحيطة، حيث لم تعد الواجهات الحدودية الشمالية والشرقية مجرد خطوط تماس جغرافية، بل باتت ساحات نشطة لحروب هجينة معقدة، تتشابك فيها أذرع الميليشيات وشبكات تهريب المخدرات والسلاح مع أجندات إقليمية تسعى لاختراق السيادة وتصدير الفوضى، فضلاً عن خطورة الصراعات المفتوحة التي باتت تهدد أمن الأجواء والفضاء الإقليمي برمته.
وبموازاة هذا التحدي، تبرز الواجهة الغربية كجبهة استراتيجية مفتوحة على أخطر مشاريع التصفية والتهجير القسري، وهو ما استدعى من جلالته تثبيت معادلة سيادية حازمة تعتبر القضية الفلسطينية والوصاية الهاشمية على المقدسات خطاً أحمر يرتبط عضوياً بالأمن الوطني الأردني وبقاء الدولة ذاتها.
وفي قلب هذه الرؤية، يقدم الخطاب الملكي معادلة بالغة الدقة تربط بين المنعة العسكرية و المناعة السياسية ، فانتقال عقيدة الجيش العربي والأجهزة الأمنية نحو الردع الاستباقي وحماية السيادة براً وجواً لا ينفصل عن مسارات التحديث السياسي والاقتصادي والإداري في الداخل، إذ ينظر جلالة الملك إلى الإصلاح الشامل ومأسسة الإنجاز باعتبارهما السند الحقيقي والعمق الحيوي الذي يحصن وعي الجبهة الداخلية ويحميها من الاستقطاب أو حروب الاستنزاف النفسي.
وتكمن الرسالة المركزية التي أراد جلالة القائد الأعلى إيصالها للداخل والخارج معاً في أن الأردن، برغم محدودية موارده، يمتلك من الرصيد التاريخي، والشرعية السياسية، والجاهزية القتالية، والوعي المجتمعي، ما يؤهله لإحباط أية محاولة للقفز على دوره أو المساس بأمنه، وأن استقراره يمثل حجر الزاوية الذي لا يستقيم بدونه أمن الإقليم.
وهكذا، تبرهن الدولة الأردنية بقيادتها الهاشمية ، قدرتها الفائقة على إدارة التوازن الدقيق بين صون الثوابت القومية وحماية المصالح العليا، ليبقى الأردن قلعة عصية على الاختراق، وركيزة استقرار راسخة تتحطم على أسوارها رهانات الفوضى وأوهام المتطرفين.