مَن يعيش مسلوب العقل .. لن يفهم الأردن؟!
محمود الدباس - أبو الليث
27-10-2026 04:26 PM
على الرغم من كل الحرائق.. التي اشتعلت وتشتعل حول الأردن.. بقي هذا البلد متمسكاً بنهجه.. لا يُحمّل الأبرياء أخطاء غيرهم.. ولا يعاقب إنساناً بذنب لم يرتكبه..
وهذا ليس ضعفاً.. بل مبدأ نؤمن به.. قال تعالى {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}..
ولا يعني ذلك.. أن المواجهة تخلو من الأخطاء.. فقد تقع أحياناً أضرار تطال أبرياء.. بحكم أن الإرهابيين.. لا يملكون معسكرات معلنة ومعزولة عن الناس.. بل يعيشون ويتحركون بين المواطنين الآمنين.. وقد تختلط الأمور في بعض المواجهات.. لكن هناك فرقاً كبيراً.. بين خطأ قد يقع أثناء ملاحقة إرهابي.. وبين استهداف الأبرياء عمداً.. أو معاقبة عائلات بأكملها بذنب فرد منها..
فحين يخرج إرهابي من الأردن.. لا يصبح الأردن مصنعاً للإرهاب.. لمجرد أنه يحمل جنسيته.. بل إن هؤلاء فرّوا من الأردن.. بعدما لاحقتهم الدولة طويلاً.. وأصدرت بحقهم أحكاماً بالاعدام بسبب جرائمهم الإرهابية.. ثم وجدوا في العراق وسوريا وغيرهما.. ساحات لتنفيذ أفكارهم..
أما أن يقيم أهل أحدهم عزاءً بعد مقتله.. فهذه حُجة لا يلتفت إليها.. إلا مَن فقد القدرة على التفكير.. فهل يصبح كل أهل قاتل.. أو مجرم.. شركاء في جريمته لمجرد أنهم أقاموا له عزاءً؟!.. وهل تتحول الجريمة إلى سياسة دولة.. لأن عائلته حزنت عليه؟!..
فكم من قاتل في الأردن.. تم إعدامه.. وأقام أهله له بيت عزاء.. وهذا ليس ممنوعاً شرعاً.. ولا قانوناً.. حتى أن عُرف الجلوة العشائرية اقتصر على أهله من الدرجة الأولى فقط.. بدلاً من عائلته الممتدة كاملة.. أو ما يعرف بخمسته..
والأردن الذي واجه الإرهاب.. قبل أن يظهر في العراق وسوريا وغيرها بسنوات.. لا يحتاج إلى شهادة مَن يتخذ من الإرهاب مادة للتشفي والمزايدة..
ولعل ما لا يفهمه هؤلاء من مسلوبي العقل والارادة.. أن الأردن لم يكن يوماً دولة تعاقب الناس على صلة قرابة.. ولا تهدم حياة عائلة.. لأن أحد أبنائها أخطأ..
حتى في محاولات الانقلاب على الحكم.. في عهد الملك الحسين رحمه الله.. كان هناك مَن عاد إلى الحياة العامة بكل قوة.. ووصل أبناء وإخوة بعض مَن تورطوا.. إلى مواقع رفيعة في الدولة.. وحتى قريبة من الملك..
وهنا أصل الحكاية..
مَن تربّى على أن يسمع من قائده.. أو من شيخه.. أو من إمامه.. ولا يفكر.. وأن يرى بأعينهم.. وليس بعقله.. وأن يصفق لما يقال له.. حتى لو ناقض نفسه بالأمس.. سيجد صعوبة في فهم دولة.. تحكم على الأفعال.. لا على الأسماء والعائلات والانتماءات..
فمرة يتبع هذا التيار.. ومرة يتبع ذاك.. وتتغير الشعارات والرايات.. لكن عقلية التبعية واحدة.. عقلية العبد.. لا تقبل إلا ما يُملى عليها.. ولا يقبل ما يجعل عقله يعمل.. وكأن لسان حال قائدها يقول.. لا أريكم إلا ما أرى.. وهم يتقبلون ذلك بكل فرح وسعادة.. وكأنهم ليسوا بشراً لهم عقول تعي.. وميزهم الله بها عن سائر الكائنات الحية..
لهؤلاء أقول.. لا تقيسوا الأردن على تجاربكم التي تعيشونها.. فليس كل بلد يشبه البلد الذي اعتدتم وتعتادون عليه.. وليس كل شعب يقبل.. أن يُصادر عقله وإرادته.. وليس كل إنسان جهاز راديو.. يكرر ويتحدث بمحتوى الاسطوانة التي وضعت فيه..
أما الأردن.. فسيبقى يفرق بين المجرم وأهله.. وبين الجريمة والوطن.. وبين المحاسبة والانتقام..
واللي على رأسه بطحة.. أو ريشة.. بيحسس عليها..