الولائم تصنع الأشخاص أم الأشخاص يصنعون الولائم؟
محمد مطلب المجالي
18-08-2026 10:00 AM
«وأطعم الثم تستحي العين... ما هكذا تورد الإبل»
ليست كل وليمة كرامة، وليست كل مائدة عنواناً للمحبة، وليس كل من جلس في صدر المجلس صاحبَ مكانة. فهناك فرق كبير بين كرمٍ يُطعم لوجه الله، ووليمةٍ تُقام لحساباتٍ أخرى؛ بين مائدة تجمع القلوب، ومائدة تُرتّب المصالح وتعيد توزيع الوجاهة.
وهنا يحق لنا أن نسأل بصراحة: هل الولائم تصنع الأشخاص، أم أن الأشخاص هم الذين يصنعون الولائم؟
لقد أصبحت بعض الولائم في مجتمعنا أشبه بمشهد اجتماعي متكامل؛ دعوات محسوبة، وأسماء منتقاة، ومقاعد لها دلالاتها، وصور تُلتقط، وعبارات مديح تتكرر، وكأن قيمة الإنسان باتت تُقاس بمن يجلس إلى مائدته، أو بمن يرد على دعوته.
والحقيقة أن الرجل لا تصنعه مائدته، بل تصنعه مواقفه.
فالكرم الحقيقي لا يحتاج إلى كاميرا، ولا إلى إعلان، ولا إلى قائمة حضور. الكريم يفتح بابه لأنه كريم، ويطعم ضيفه لأنه تربى على المروءة، ولا ينتظر من وراء طعامه منصباً أو خدمة أو واسطة أو رداً للجميل.
أما عندما تتحول الوليمة إلى دفتر حسابات، فهنا يصبح الطعام شيئاً آخر.
بعضهم لا يعرف طريق المائدة إلا إلى أصحاب المناصب، ولا يفرشها إلا لمن يستطيع أن يرد الجميل، ولا يرفع صوت الترحيب إلا عندما يكون للضيف وزن في ميزان المصالح. فإذا انتهت الحاجة، انتهى معها السؤال، وغاب التواصل، وأصبح ذلك «الصديق العزيز» مجرد اسم في ذاكرة المناسبات.
وهنا تنكشف حقيقة بعض الناس.
فالذي يكرمك لأنك إنسان، يختلف تماماً عمن يكرمك لأنك مسؤول.
الأول يحفظ لك مقامك حتى وأنت بلا منصب، والثاني يبحث عنك ما دمت تملك مفتاحاً لباب يحتاج إلى فتحه.
والمؤسف أن بعض المجالس أصبحت تعيد ترتيب الناس وفق معايير لا علاقة لها بالأخلاق؛ هذا مهم لأنه مسؤول، وذاك مهم لأنه ثري، وثالث مهم لأنه قريب من صاحب قرار، أما صاحب الخلق والموقف فقد يجلس في آخر الصفوف لأنه لا يملك ما يوزع على الآخرين سوى الاحترام.
وهذه ليست مشكلة الوليمة، وإنما مشكلة المعيار الذي تغيّر.
فقديماً كانت المائدة تجمع الناس، واليوم يحاول البعض أن يجعل الناس وسيلة لتجميل المائدة.
قد تكون المائدة عامرة، لكن القلوب خاوية.
وقد يجلس حولها عشرات الأشخاص، ولا تجد بينهم موقفاً واحداً صادقاً.
وقد تُلتقط عشرات الصور، ثم تنتهي المناسبة ويبقى كل شخص مشغولاً بمصلحته.
ولذلك فإن أخطر ما في بعض الولائم ليس ما يوضع عليها من طعام، وإنما ما يُوضع تحتها من حسابات.
هناك من يطعمك ليشتري صمتك، ومن يدعوك ليضمن قربك، ومن يكرمك ليستخدم اسمك لاحقاً، ومن يبالغ في الترحيب بك لأنه ينتظر منك خدمة.
وهؤلاء لا يصنعون الكرم؛ بل يصنعون علاقة مؤقتة تنتهي بانتهاء المصلحة.
أما صاحب المروءة فلا يسأل: ماذا يستطيع هذا الرجل أن يقدم لي؟ بل يسأل: كيف أكرمه؟
وهنا الفارق بين المروءة والتجارة الاجتماعية.
إن «وأطعم الثم تستحي العين» لا ينبغي أن تصبح ذريعة لتحويل الطعام إلى وسيلة لإسكات العتب أو شراء المواقف أو تغطية الأخطاء. فالطعام لا يمحو الإساءة، والوليمة لا تصنع احتراماً مفقوداً، والمجاملة لا تستطيع أن تخفي الحقيقة إلى الأبد.
ما أكثر الموائد، وما أقل المواقف!
وما أكثر الذين يجيدون الجلوس في صدر المجلس، وأقل الذين يجيدون الوقوف في الصف الأول عندما يحتاجهم صاحبهم.
وهنا تظهر معادن الرجال.
فالرجل الحقيقي لا يُختبر عندما تكون المائدة عامرة، وإنما عندما تنتهي المائدة وتبدأ الحاجة.
لا يُعرف في ساعة التصوير، بل في ساعة الشدة.
ولا يُقاس بعدد المسؤولين الذين صافحوه، وإنما بعدد البسطاء الذين ظل بابه مفتوحاً لهم.
ولا تُرفع قيمته بعدد الولائم التي أقامها، وإنما بعدد المواقف التي حفظها.
نحن لا ننتقد الكرم، ولا نرفض الولائم؛ فالضيافة من أجمل ما ورثناه من آبائنا وأجدادنا، وهي جزء من أصالتنا وهويتنا. لكننا نرفض أن يتحول الكرم إلى استعراض، والمائدة إلى منصة، والضيوف إلى أرقام، والعلاقات إلى دفتر مصالح.
فالوليمة التي تجمع الناس على المحبة نعمة.
والوليمة التي تجمعهم على المصلحة فتنة.
والفرق بينهما ليس في الطعام، وإنما في النية.
ولذلك لا تجعلوا المائدة ميزاناً للرجال؛ فهناك من مائدته صغيرة وقلبه كبير، وهناك من مائدته كبيرة وقلبه أضيق من أن يحمل حتى ضيفاً واحداً بلا حساب.
وإذا أردنا أن نعرف حقيقة الناس، فلننظر إليهم بعد انتهاء الوليمة؛ من بقي يسأل؟ من بقي وفياً؟ من بقي يحفظ العِشرة؟ ومن اختفى بمجرد أن انتهت حاجته؟
هناك، فقط، تسقط الديكورات الاجتماعية، وتظهر الحقيقة.
فالولائم لا تصنع الرجال، والرجال هم الذين يعطون الولائم معناها.
والرجل الذي لا يملك موقفاً لن تصنع منه ألف مائدة رجلاً، والذي لا يملك مروءة لن تمنحه كثرة الضيوف وجاهة، والذي لا يحفظ الناس في غياب المصلحة لن تنفعه ألف صورة في حضورها.
وفي النهاية...
المائدة تُرفع، والصور تُنسى، والمناصب تتغير، والوجوه تتبدل؛ لكن سيرة الإنسان تبقى.
فأكرموا الناس حباً لا حساباً، وأطعموهم مروءة لا مصلحة، وافتحوا موائدكم للقلوب لا للمناصب.
فالكرم أن تعطي ولا تنتظر، والمروءة أن تحفظ ولا تستغل، والرجولة أن يبقى موقفك ثابتاً حتى عندما لا يعود لك في الرجل أي مصلحة.