facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




اليوم الأخير في جامعة مؤتة .. الطيّبون لا يُفارقون القلب


محمد مطلب المجالي
19-08-2026 10:27 AM

في اليوم الأخير في جامعة مؤتة، لا يكون الوداع للمكان وحده، بل للسنوات التي تركت في القلب ما لا تتركه الأيام العابرة. هناك أماكن نغادرها بأجسادنا، لكنها لا تغادرنا؛ تبقى في الذاكرة بأصوات أهلها، ووجوه زملائها، ومواقف رجالها، وتفاصيل صغيرة صنعت من العمر حكاية طويلة.

ويعز علينا فراق الطيبين؛ أولئك الذين لم تكن علاقتنا بهم مرتبطة بمكتب أو منصب أو مصلحة، بل جمعتنا بهم المروءة وحسن المعشر وصدق الموقف. هؤلاء هم الذين يثقلون لحظة الرحيل، لأن الإنسان لا يحزن على باب أغلقه، بقدر ما يحزن على وجه طيب لن يراه كل صباح.

أما غيرهم، ممن كانت علاقتهم بنا مرتبطة بكرسي أو موقع أو منفعة، فسرعان ما يكشفهم الغياب. فالناس معادن، والمواقف هي النار التي تكشف معدنها، وما أكثر من يملأون المكان حضوراً، ثم لا يتركون خلفهم سوى فراغ عابر.

في الجامعة تعلمنا أن الوظيفة مرحلة، والمنصب عابر، والكرسي لا يصنع رجلاً؛ بل الرجل هو الذي يمنح الموقع قيمته. وكم من إنسان غادر موقعه وبقي اسمه محترماً في أفواه الناس، وكم من آخر بقي في موقعه سنوات، ثم غادره وكأن شيئاً لم يكن.

وفي اليوم الأخير، لا نحمل معنا الملفات ولا المفاتيح ولا المكاتب، بل نحمل حصيلة العمر: وجوهاً نحبها، ومواقف لا تُنسى، وذكريات ستظل شاهدة على سنوات مضت. نغادر ونحن أكثر يقيناً بأن أجمل ما في العمل ليس العمل نفسه، وإنما الإنسان الذي يترك أثراً طيباً في حياة الآخرين.

جامعة مؤتة لم تكن بالنسبة لنا حجارة وممرات ومكاتب؛ كانت جزءاً من العمر، ومحطة من محطات الحياة، وميداناً عرفنا فيه الناس على حقيقتهم. فيها رأينا من يرفعك بأخلاقه، ومن يسندك بموقفه، ومن يختفي حين تنتهي حاجته إليك.

ولهذا فإن الرحيل لا يوجعنا من الجميع؛ إنما يوجعنا من أولئك الذين كانوا صادقين في حضورهم، نبلاء في مواقفهم، أوفياء في غيابهم.

سنغادر المكان، لكننا سنترك فيه شيئاً من العمر، وسيبقى في القلب شيء من مؤتة، وشيء من أهلها، وشيء من أولئك الطيبين الذين جعلوا سنوات الخدمة أكثر احتمالاً وأجمل معنى.

أما الذين كانوا سراباً، فلا عتاب عليهم؛ فالسراب لا يُؤخذ معه شيء، ولا يُبكى عليه طويلاً.

ويبقى الإنسان في النهاية بما تركه من أثر، لا بما حمله من لقب؛ وبما زرعه في القلوب، لا بما امتلكه من مفاتيح الأبواب.

وفي اليوم الأخير، نلوّح للمكان ونقول: شكراً مؤتة… أما الطيبون، فلهم في القلب مقام لا تنهيه استقالة، ولا يلغيه تقاعد، ولا تغلقه أبواب الرحيل.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :