الأردن وفلسطين .. حقيقتان لا تقبلان الخلط
محمد مطلب المجالي
23-08-2026 12:44 AM
الأردن جزء أصيل من بلاد الشام، لكنه ليس جزءاً من فلسطين، وفلسطين ليست جزءاً من الأردن. والتداخل التاريخي والجغرافي بين شعوب بلاد الشام لا يعني إلغاء الحدود أو صهر الهويات الوطنية، فلكل وطن أرضه وشعبه وتاريخه وهويته. وهذه الحقيقة ليست انتقاصاً من فلسطين، بل تأكيد لحق الفلسطينيين في أرضهم ووطنهم، كما هي تأكيد لحق الأردنيين في وطنهم وهويتهم.
ومن هنا فإن الترويج لفكرة أن الأردن يمكن أن يكون وطناً بديلاً للفلسطينيين ليس حلاً للقضية الفلسطينية، بل التفاف عليها ونقل لمشكلتها من أرضها الأصلية إلى أرض أخرى. فإذا كانت فلسطين أرض الشعب الفلسطيني وقضيته، فكيف يصبح الأردن بديلاً عنها؟ وأين تذهب فلسطين حينها؟ إن تحويل قضية شعب تحت الاحتلال إلى قضية توطين ونقل سكاني ليس حلاً للقضية، وإنما تغيير لطبيعتها ومحاولة لإفراغها من مضمونها.
والأردن لم يكن يوماً بعيداً عن فلسطين، ولم يتعامل معها كشعار عابر أو ورقة سياسية. لقد قدم الغالي والنفيس من أجل عروبة فلسطين، ودفع من دم أبنائه، ووقف في ميادين القتال، وتحمل أعباء اللجوء والنزوح، وظل متمسكاً بالحقوق الفلسطينية ورافضاً تصفية القضية أو تحويلها إلى مشروع توطين. ولذلك فإن كل اتهام للأردن أو تشكيك في دوره الوطني والعروبي والإسلامي هو اتهام مردود؛ فالتاريخ لا يُمحى بالتشكيك، والمواقف لا تلغيها المزايدات.
ومحاولة التقليل من شأن الأردن أو الانتقاص من دوره الوطني والعروبي والإسلامي سياسة خرقاء وإساءة لا يقبلها الأردنيون. فالأردن لا يحتاج إلى شهادة من أحد في عروبته، ولا إلى من يزايد عليه في فلسطين؛ فقد تحدثت عنه مواقفه، وشهدت عليه تضحيات أبنائه، وكتب تاريخه بالدم في ميادين الدفاع عن الأمة وقضاياها.
والأردن الذي وقف إلى جانب فلسطين لا يجوز أن يُطلب منه أن يتحمل نتائج الاحتلال أو أن يدفع من أرضه وهويته ثمناً لتسوية لم يصنعها. لقد كان وما زال سنداً لفلسطين، لكنه لم يكن ولن يكون بديلاً عنها. ومن حقه، بل من واجبه، أن يحمي كيانه الوطني وهويته وسيادته، كما أن من حق الفلسطيني أن يتمسك بأرضه وحقه في العودة ودولته المستقلة.
ومن المؤسف أن تصدر أحياناً بعض الطروحات التي تمس الكيان الأردني أو تروّج لفكرة الوطن البديل عن أفراد فلسطينيين، لكن الإنصاف يقتضي ألا نعمم على الشعب الفلسطيني الشقيق مواقف أفراد أو تيارات.
فالفلسطيني الذي يتمسك بأرضه وحقه في العودة لا يحتاج إلى وطن بديل، والأردني الذي يتمسك بوطنه لا يعادي فلسطين.
بل إن رفض الوطن البديل والتوطين يخدم فلسطين قبل غيرها؛ لأن قبول هذه الفكرة يعني إضعاف حق الفلسطيني في أرضه، وتحويل قضية التحرر والعودة إلى قضية إسكان وتعويضات وصفقات. وعندما تُستبدل الأرض بالمال، والعودة بالتوطين، والدولة بالامتيازات، فإننا لا نكون أمام حل للقضية، وإنما أمام تصفية لها وطمس لمعالمها.
إن كل الدعوات التي تروّج لهذا الاتجاه، وكل من يتبناها أو يساهم في تسويقها، يخدم ــ بقصد أو من دون قصد ــ مشروع القضاء على القضية الفلسطينية وطمسها وإفراغها من مضمونها. وفلسطين ليست عقاراً قابلاً للبيع، ولا قضية يمكن مقايضتها بالمال أو الامتيازات. حقوق الشعوب لا تُشترى ولا تُباع، والأوطان لا تُستبدل بصفقات.
ولا يجوز تحميل الأردن ثمن الاحتلال، ولا أن يتحول إلى الطرف الذي يدفع ثمن تسوية لم يصنعها. فالأردن قدم لفلسطين ما لا يحتاج إلى مزايدة، وسيبقى إلى جانب حق الشعب الفلسطيني في أرضه وحقوقه المشروعة، لكن ذلك لا يعني أن يتنازل عن أرضه أو هويته أو كيانه الوطني.
إن نصرة فلسطين لا تكون بإلغاء الأردن، كما أن حماية الأردن لا تكون بالتخلي عن فلسطين. نستطيع أن نكون مع فلسطين بكل وضوح، وأن نرفض الاحتلال، وأن ندافع عن حقوق شعبها، وفي الوقت نفسه نتمسك بالأردن وطناً وهوية وسيادة. فالأخوة بين الشعبين لا تحتاج إلى إلغاء وطن، والتضامن لا يعني التوطين، والعروبة لا تعني ذوبان الهويات الوطنية.
ومن أراد فعلاً نصرة فلسطين، فعليه أن يتمسك بحق الفلسطيني في أرضه، وأن يرفض الاحتلال والتوطين والوطن البديل، لا أن يبحث عن حلول على حساب الأردن. فالقضية الفلسطينية أكبر من أن تُختزل في صفقة مالية، وأقدس من أن تُباع مقابل المال، وأعمق من أن تُمحى بتغيير الجغرافيا أو خلط الهويات.
كلنا لفلسطين، ولكن ليس على حساب الأردن. فلسطين للفلسطينيين، والأردن للأردنيين. الأرض هي الأردن، وفلسطين هي فلسطين. لا وطن بديل، لا توطين، ولا تصفية للقضية الفلسطينية على حساب الكيان الأردني.
والأردن سيبقى وطناً عربياً أصيلاً، قدم لأمته الغالي والنفيس، وسيظل سنداً لفلسطين وقضايا الأمة. ومن يقرأ التاريخ بإنصاف يدرك أن الأردن لم يكن يوماً عبئاً على فلسطين، بل كان وما زال سنداً لها، وأن الدفاع عن الأردن ليس تخلياً عن فلسطين، وإنما رفض لأن تتحول فلسطين إلى ذريعة لإلغاء الأردن أو الانتقاص من دوره ومكانته.
فلسطين ليست للبيع، والأردن ليس بديلاً، والتاريخ لا يُشترى بالمال، وحقوق الشعوب لا تُقايض بالامتيازات. ومن أراد للأردن وفلسطين الخير، فليحفظ لكل وطن أرضه، ولكل شعب حقه، ولتبقَ فلسطين فلسطين، وليبقَ الأردن أردن.