المساواة والعدل في المؤسسة: بين من يصنع النتيجة ومن ينتظرها
م. رياض الخرابشة
24-08-2026 03:39 PM
تُعدّ إشكالية الخلط بين المساواة والعدل من أكثر القضايا حساسية في بيئة العمل. فالمساواة الحقيقية تعني تكافؤ الفرص، ووضوح القواعد، واحترام الحقوق، وخضوع الجميع للمعايير نفسها، أما العدل فلا يعني أن يحصل الجميع على التقدير والتأثير نفسيهما، بل أن يأخذ كل موظف ما يتناسب مع مساهمته ومسؤوليته وأثره في تحقيق أهداف المؤسسة.
فليس من العدل أن يتساوى من يدخل الملفات الصعبة، ويبادر، ويتحمل مسؤولية القرار، ويواجه احتمالات النجاح والفشل، ويبحث عن الحلول حتى يصل إلى النتيجة، مع من يراقب من منطقة آمنة، وينتظر اتضاح الاتجاهات، ثم يقترب من الملف عندما تقل المخاطر وتصبح فرص النجاح أكبر. هنا لا يتعلق الأمر بأفضلية شخصية، وإنما باختلاف واضح في القيمة الوظيفية المضافة.
ومن هنا يظهر الفرق بين الذكاء الوظيفي والتذاكي الوظيفي. الموظف الذكي يفهم النظام والإجراءات ومسارات القرار، ويوظف هذا الفهم لتحريك المؤسسة وتحقيق أهدافها. أما المتذاكي فيستخدم معرفته بالنظام لتحسين موقعه الشخصي؛ يتجنب المخاطر، ويقلل المسؤوليات، ويختار المهام الأكثر أماناً، ويتموضع بالقرب من النجاحات. وباختصار: الذكي يتحرك مع النظام لإنتاج النتيجة، والمتذاكي يتحرك على النظام لإنتاج أفضل موقع لنفسه.
وأخطر ما يمكن أن تفعله المؤسسة هو أن تلغي قيمة تحمل المسؤولية. فعندما يعمل موظف أشهراً على ملف معقد، ويواجه العقبات ويصنع الحلول، ثم يتساوى في النهاية مع من ظهر بعد أن أصبحت النتيجة شبه محسومة، فإن الرسالة التي تصل إلى الجميع هي: لا تتحمل المخاطر، انتظر حتى تنجح الأمور ثم اقترب منها. ومع الوقت تتحول المبادرة إلى عبء، ويصبح الانتظار والتموضع أكثر جدوى من العمل الحقيقي.
فالإنجاز ليس لحظة نهائية، بل مسار كامل. والتقييم العادل لا يسأل فقط: من كان حاضراً عند النجاح؟ بل من بدأ عندما لم تكن النتيجة مضمونة؟ من تحمل المسؤولية؟ من حل المشكلات؟ من استمر عندما تعثرت الأمور؟ ومن نقل الملف من المشكلة إلى النتيجة؟ وهنا أيضاً يجب التفريق بين الحضور والتأثير؛ فكثرة الاجتماعات والحديث والظهور لا تعني بالضرورة كثرة الإنجاز، كما أن الموظف الذي يعمل بهدوء ويحل المشكلات قد تكون قيمته أكبر ممن يمتلك قدرة أعلى على تسويق حضوره.
وفي المقابل، العدل لا يعني مكافأة كثرة الحركة أو ساعات العمل لمجردها. فقد ينجز موظف ذكي في وقت قصير ما يحتاج غيره وقتاً أطول لإنجازه. المطلوب هو قياس جودة القرار، والمبادرة، وتحمل المسؤولية، وحل المشكلات، والتعاون، والنتائج والأثر المؤسسي. كما أن التريث ليس دائماً سلوكاً سلبياً؛ فقد يكون مطلوباً لتحسين القرار. والسؤال الفاصل هو: هل الانتظار لحماية المؤسسة وتحسين القرار، أم لحماية الموظف من المسؤولية وانتظار معرفة اتجاه النتيجة؟
المشكلة تبدأ عندما تصبح قاعدة «أقل مسؤولية وأقل مخاطرة وأكبر فائدة» طريقاً ناجحاً للتقدم الوظيفي. فإذا شعر الموظف المنتج أن من يتجنب الملفات الصعبة يحصل في النهاية على التقدير نفسه، فسوف يعيد حساباته هو أيضاً، وعندها تتحول المشكلة من سلوك فردي إلى ثقافة مؤسسية تضعف المبادرة وتكافئ التواكل والتموضع.
لذلك فإن العدالة الإدارية الصحيحة تقوم على معادلة واضحة: المساواة في الحقوق والقواعد والفرص، والعدل في تقدير المساهمة والمسؤولية والنتائج. فالتمييز بين الموظفين ليس ظلماً إذا استند إلى أداء حقيقي ومعايير واضحة، وإنما الظلم الحقيقي هو أن نساوي بين مساهمات غير متساوية.
المؤسسة التي تريد ثقافة إنجاز يجب أن تجعل صناعة النتيجة مرئية، وأن تعرف من بادر، ومن تحمل، ومن حل المشكلات، ومن صنع القيمة، ومن استمر حتى النهاية. فليس من العدل أن يتساوى من يصنع النتيجة بمن ينتظرها، ولا من يتحمل المسؤولية بمن يتموضع بعيداً عنها، ولا من يوظف ذكاءه لخدمة المؤسسة بمن يوظفه فقط لخدمة موقعه.
المساواة أن تكون القواعد واحدة والفرص متاحة للجميع، أما العدل فهو أن يأخذ كل موظف من التقدير والثقة والتأثير بقدر ما أضاف من قيمة، وتحمل من مسؤولية، وصنع من أثر.