facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




نبيلة العشوش ليست مادة للشعبويات الحزبية


د. فاطمة العقاربة
08-10-2026 04:50 PM

* القضايا الإنسانية لا تُدار بمنطق التعبئة والانفعال

ليست كل قضية تثير الرأي العام ميدانًا للمزايدات، وليست كل حادثة مؤلمة فرصة لإطلاق الخطابات الحادة أو استدعاء مفردات التخوين والتعبئة. فثمة فارق كبير بين موقف مسؤول ينطلق من الحرص على الحقيقة والعدالة، وبين شعبويات انفعالية تحاول استثمار مشاعر الناس وتحويل القضايا إلى ساحات للاستقطاب والمناكفة.

إن قضية نبيلة العشوش، بما أثارته من اهتمام وتساؤلات، تستحق أن تُناقش بعقلانية ومسؤولية، بعيدًا عن توظيفها في معارك الخطاب الشعبوي، أو تحويلها إلى مادة لإشعال الغضب الجماهيري وتغذية الانقسامات. فالقضايا التي تمس الإنسان وكرامته وحقوقه لا يجوز أن تصبح وقودًا لمن يريد حصد التصفيق، أو صناعة حضور إعلامي على حساب الحقيقة.

إن رفض استغلال القضية لا يعني التقليل من أهميتها، ولا إسكات الأسئلة المشروعة، ولا مصادرة حق الناس في التعبير عن مواقفهم بل يعني أن تبقى المطالبة بالحقيقة والإنصاف ضمن إطار المسؤولية، وأن تُترك الوقائع للتحقق، وأن يُحاسَب كل من تثبت مسؤوليته وفق الأصول القانونية

فالعدالة لا تحتاج إلى ضجيج كي تثبت حضورها، والحق لا يصبح أقوى كلما ارتفعت نبرة الخطاب، بل كلما استند إلى الأدلة والوقائع واحترام القانون.

والأخطر في مثل هذه القضايا أن تنزلق النقاشات من مساحة البحث عن الحقيقة إلى مساحة التخوين، وكأن المجتمع أمام معركة يجب أن ينتصر فيها طرف على آخر، لا أمام قضية تحتاج إلى فهم دقيق وموقف منصف. عندها تتراجع الأسئلة الجوهرية، وتُختزل الوقائع في شعارات، ويتحول الاختلاف في الرأي إلى تخوين، وتصبح العاطفة أداة لتوجيه الجماهير بدلًا من أن تكون دافعًا للتعاطف الإنساني المسؤول.

إن الشعبويات الحزبية لا تنتج حلولًا، ولا تحمي الحقوق، ولا تنصف أصحاب القضايا؛ بل قد تزيد المشهد تعقيدًا، وتفتح الباب أمام أحكام متسرعة، وتضعف الثقة بالمؤسسات والإجراءات القانونية. وحين تُستثمر معاناة الأفراد في خطاب تعبوي، فإن القضية نفسها قد تضيع بين الأصوات المرتفعة والمواقف المتشنجة، ويصبح الانتصار للشعار أهم من الوصول إلى الحقيقة.

ومن هنا، فإن الموقف الوطني المسؤول يقتضي الفصل بين التعاطف الإنساني المشروع وبين الاستغلال السياسي أو الإعلامي، وبين النقد الذي يهدف إلى التصويب والتحريض الذي يسعى إلى التأزيم. فليس كل من يرفع صوته مدافعًا عن الحق، وليس كل من يدعو إلى التهدئة متخاذلًا إذ قد تكون الحكمة في لحظة الاحتقان أشد أثرًا من ألف خطاب انفعالي.

إن المجتمعات التي تحترم نفسها لا تجعل من كل قضية اختبارًا للولاء، ولا تحوّل كل نقاش إلى جبهة، ولا تسمح للعاطفة بأن تحل محل الوقائع. بل تمنح الجهات المختصة المجال للتحقق، وتحفظ للناس حقهم في السؤال، وتواجه أي تجاوز بالحجة والقانون، لا بالمبالغة أو التشهير أو التحريض.

نبيلة العشوش ليست عنوانًا لمبارزة شعبوية، ولا ينبغي أن تتحول قضيتها إلى منصة لتوزيع الاتهامات أو إشعال معارك افتراضية فالمعيار الحقيقي لأي موقف هو مقدار ما يقدمه من إنصاف، وما يحفظه من كرامة، وما يسهم به في الوصول إلى الحقيقة، لا عدد التفاعلات التي يحصدها ولا حجم الضجيج الذي يثيره.

وفي المحصلة، فإن الانحياز إلى الحقيقة لا يتعارض مع التعاطف، والدفاع عن الحقوق لا يحتاج إلى خطاب حربي، والمطالبة بالعدالة لا تبرر تحويل الأفراد والقضايا إلى أدوات للاستقطاب. ما نحتاج إليه هو خطاب وطني رصين، يرفض التوظيف والاستغلال، ويحترم الوقائع، ويصون كرامة الإنسان، ويؤمن بأن قوة المجتمع لا تُقاس بحدة انفعاله، بل بقدرته على إدارة خلافاته وقضاياه بعقل وعدالة ومسؤولية.

فالقضايا الإنسانية أكبر من المزايدات، والعدالة أسمى من الشعبويات، والحقيقة لا تُخدم بالصراخ بل بالموقف المسؤول والكلمة المنصفة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :