التربية أكبر من القرار .. والإصلاح أكبر من المرحلة
فيصل تايه
27-08-2026 02:55 PM
حين تصبح وزارة التربية والتعليم حديث الناس بسبب قرار يثير الجدل، ونقاش حول "نسبة مئوية"، واجتماعات نيابية، ومطالبات برحيل الوزير، فالمشكلة لا ينبغي أن تختزل في قرار واحد أو شخص واحد. فالتربية، وهي مشروع دولة وبناء إنسان، لا يجوز أن تُدار بمنطق الأزمة، مهما كانت دوافع القرارات واجتهادات أصحابها.
ومن الإنصاف أن نقول إن الوزير جاء إلى هذه المرحلة محمّلاً برغبة واضحة في تحريك ملفات تعليمية ظلت سنوات بحاجة إلى مراجعة، ودفع باتجاه تطوير منظومة التعليم في مرحلة انتقالية ليست سهلة.
لكن نجاح أي مشروع إصلاحي لا ينبغي أن يتوقف على اجتهاد الوزير وحده، وإنما على قوة المؤسسة التي تحتضن الفكرة، وتختبرها، وتراجعها، ثم تحميها من التراجع.
ولعل الجدل الذي رافق قرار الـ٣٠% يقدم مثالاً واضحاً على هذه الإشكالية. فالوزارة كانت أمام مشكلة حقيقية في تكدس الطلبة في بعض الحقول، ولا سيما الحقل الصحي، وكان من الطبيعي أن تبحث عن وسيلة لتنظيم التوزيع.
لكن قيمة القرار التربوي لا تقاس بصحة غايته وحدها، وإنما أيضاً بتوقيت إعلانه، ووضوح معاييره، وتهيئة الطلبة والميدان له، ومراعاة تكافؤ الفرص بين البيئات التعليمية المختلفة.
فالطالب الذي يعرف منذ البداية أن أداءه في الصف الحادي عشر سيكون جزءاً من المفاضلة يستطيع أن يخطط وفق ذلك، بينما قد يربك الإعلان المتأخر خياراته وتوقعاته.
وهنا لا تعود القضية قضية ٣٠%، ولا قضية حقل صحي أو مسار بعينه؛ بل تصبح سؤالاً أكبر: كيف نصنع القرار التربوي؟
فالتطوير لا يكون بمجرد إصدار القرار، وإنما بدراسة وتجريب وتقييم واستقرار. فالطالب ليس حقلاً للتجارب، ومستقبله يحتاج إلى قواعد واضحة يعرفها قبل أن يبدأ، لا بعد أن يقطع نصف الطريق.
والتراجع عن قرار ثبتت الحاجة إلى مراجعته ليس ضعفاً ولا هزيمة، بل قد يكون من شجاعة القرار وحكمة المؤسسة. كما أن الرقابة النيابية ليست مشكلة، بل ضرورة. المشكلة تبدأ عندما تضطر المؤسسة، بعد صدور القرار، إلى الانشغال بتفسيره والدفاع عنه واحتواء آثاره، بدل أن تكون قد هيأت له الطريق منذ البداية.
لكن إذا كان هذا ما تكشفه أزمة قرار، فإن السؤال الأكبر هو: ماذا تكشف لنا حال التربية نفسها؟
نحن ندخل مرحلة جديدة تشريعياً ومؤسسياً مع قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية وإعادة تشكيل الوزارة. وقد يكون لدينا هيكل جديد، لكن الخطر الحقيقي أن نضع عقلية قديمة داخل هيكل جديد.
فالهيكلة قد تعيد توزيع المكاتب والصلاحيات، لكنها لا تعيد بناء المدرسة. وتغيير اسم الوزارة لا يغير التعليم إذا بقي الطالب في الصف نفسه، والمعلم بالثقافة المهنية نفسها، والمنهج بالمنطق نفسه، والامتحان هو الذي يقود المدرسة بدل أن يكون أداة لقياس التعلم.
الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من الهيكل؛ يبدأ من سؤال: أي إنسان نريد أن تصنع المدرسة الأردنية؟
لقد اختزلنا التربية طويلاً في التوجيهي. انشغلنا بالعلامة والحقول والمسارات حتى أصبح الامتحان كأنه غاية التعليم. والحقيقة ينبغي أن تكون معكوسة: التربية أولاً، ثم التقويم، ثم الامتحان.
نريد طالباً لا يحفظ ليجيب فقط، بل يفكر ويناقش ويحل المشكلات، ويمتلك مهارات المستقبل والذكاء الاصطناعي، ليكون جاهزاً لعالم عمل متغير يتطلب الكفاءة والابتكار.
وعندما نعرف أي إنسان نريد، نعرف أي مدرسة نريد، وأي معلم، وأي منهج، وأي تقويم، وأي مسارات.
ومن هنا نصل إلى أصل المشكلة: صناعة القرار التربوي نفسها.
ومهما كان الوزير مجتهداً ، فلا ينبغي أن تكون الوزارة مرهونة باجتهاد شخص واحد. قوة الوزير ليست في أن يعرف كل شيء، وإنما في أن يبني مؤسسة تعرف.
نحتاج إلى عقل تربوي مؤسسي يدرس القرار قبل إصداره، ويختبره قبل تعميمه، ويقيس أثره بعد تطبيقه، والأهم أن يستطيع أن يقول للوزير: هذا القرار يحتاج إلى مراجعة.
فالوزارة القوية ليست التي لا يختلف فيها أحد مع الوزير، بل التي يستطيع فيها الخبير أن يختلف معه دون خوف.
لكن الإصلاح لا يُصنع في المكاتب وحدها؛ فالمدرسة يجب أن تعود إلى قلب القرار ، فالمعلم ليس موظف تنفيذ، ومدير المدرسة ليس مدير معاملات؛ كلاهما شريك في صناعة السياسة التعليمية، لأن ما يبدو منطقياً على الورق قد يصطدم في الثامنة صباحاً بصف مكتظ، أو مدرسة تفتقر إلى الإمكانات، أو معلم لم يُهيأ، أو طالب لم يفهم لماذا تغير مستقبله.
لذلك فإن الاستماع إلى الميدان ليس مجاملة للمعلمين؛ إنه شرط لجودة القرار.
وكذلك لا ينبغي أن تتحول العلاقة بين الوزارة والنواب إلى مباراة شد حبال. لا نريد وزارة تنتصر على النواب، ولا نواباً ينتصرون على الوزارة. نريد منظومة ينتصر فيها الطالب.
والوزارة مطالبة بأن تشرح قبل أن تطلب من الناس أن تثق. شرح القرار جزء من القرار. ففي الفراغ الذي تتركه الوزارة، تمتلئ الساحة بالشائعة والتأويل والقلق.
ولهذا لا ينبغي أن تختزل قضية الإصلاح في بقاء وزير أو رحيله؛ فالأشخاص يتغيرون، أما المؤسسة التي تُبنى جيداً فتستمر.
ما نحتاجه هو الانتقال من وزارة يديرها الوزير إلى مؤسسة تربوية يقودها الوزير.
مؤسسة لها سياسة تعليمية مستقرة لا تتغير بتغير الحكومات والوزراء، وأهداف واضحة يمكن قياسها، ومعلم يُبنى مهنياً، ومدرسة تُمنح دوراً حقيقيا، ومناهج تعلّم لا تلقّن، وتقويم يقيس التعلم لا الحفظ، ومسارات تُبنى على قدرات الطلبة واحتياجات الاقتصاد، وتجريب يسبق التعميم، ودليل يسبق القرار.
لقد أتعبنا التعليم بكثرة الإصلاحات، وربما حان الوقت لإصلاح طريقة الإصلاح نفسها.
الأردن لا تنقصه العقول التربوية ولا الخبرات. ما ينقصنا أن تتحول هذه الخبرات إلى مؤسسة تفكر قبل أن تقرر، وتجرب قبل أن تعمم، وتستمع قبل أن تحكم.
ولهذا فإن الأزمة الحالية، بكل ما حملته من تجاذبات وصخب، قد تكون فرصة إذا أحسنا قراءتها.
لا نريد أن نخرج منها بسؤال: من انتصر؟
بل بسؤال أكبر:
كيف نجعل التربية الأردنية أقوى من أي وزير، وأكبر من أي حكومة، وأبقى من أي قرار؟
عندها فقط لن نكون قد أنقذنا وزارة التربية والتعليم، بل سنكون قد بدأنا إنقاذ التربية نفسها.
فالمطلوب في النهاية ليس وزارة جديدة كل مرة، ولا نظام امتحان جديدًا كل عام، وإنما تربية جديدة؛ يكون الإنسان غايتها، والمعلم قلبها، والمدرسة ميدانها، والمعرفة طريقها، والمستقبل وجهتها.
ومن هنا يبدأ الأمل.