من كثرة ما عانيناه من الفساد، لم نعد نكتفي بالسؤال عن الفاسد، بل بدأنا نبحث عن أصل الفساد وفصله، ومتى يظهر، ومتى يختفي، وكيف يولد، وكيف يكبر، ومن يطعمه، ومن يحميه!
وبعد طول البحث، اكتشفنا الحقيقة البسيطة الموجعة: الفساد ليس مخلوقاً حتى نبحث له عن جنس أو فصيلة، وليس من الثدييات حتى يلد، ولا من الطيور حتى يبيض؛ الفساد سلوك إنساني، يصنعه الإنسان، ويغذيه الإنسان، ويحميه الإنسان.
ولذلك، طالما بقي الإنسان قادراً على الانحراف عن الأمانة والعدل، سيبقى الفساد يبحث عن مكان تحت الشمس.
والقرآن الكريم وضعنا أمام هذه الحقيقة منذ البداية، حين قالت الملائكة:
﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾
فكان الفساد احتمالاً في عالم الإنسان، لا قدراً محتوماً عليه. وجاء الرد الإلهي:
﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
فالإنسان يحمل القدرة على الفساد، لكنه يحمل كذلك القدرة على الإصلاح؛ وبين الاثنين يقف الضمير والقانون والتربية والمحاسبة.
لكن مشكلتنا أن الفساد عندنا لم يعد ضيفاً عابراً؛ لقد طال مقامه حتى حفظ عناوين البيوت، وعرف مواعيد الدوام، وأصبح له معارف وأصدقاء ووسطاء!
يظهر عندما تغيب الرقابة، ويختفي عندما تقترب المحاسبة، ثم يعود من الباب الخلفي عندما يطمئن إلى أن الذاكرة العامة قصيرة.
والمصيبة ليست في وجود الفاسد وحده، وإنما في وجود من يقول له: افعل، ونحن نغطيك، ومن يرى ويسكت، ومن يعرف ويتغاضى، ومن يستفيد ثم يتظاهر بالدهشة عندما تنكشف الحكاية.
وهكذا يصبح الفساد مثل النار تحت الرماد؛ قد لا تراه، لكنه ينتظر لحظة الهواء المناسبة ليشتعل من جديد.
ولأن الفساد عمل إنساني، فإن القضاء عليه يبدأ من الإنسان نفسه: من ضميره، ومن خوفه من الله، ومن احترامه للقانون، ومن يقينه بأن المال العام ليس مالاً سائبا، وأن المنصب ليس غنيمة، وأن الوطن ليس مزرعة خاصة لأحد.
أما إذا بقيت المحاسبة انتقائية، والواسطة أقوى من القانون، والصمت أضمن من الشهادة، فلا عجب أن يبقى الفساد جاثماً على صدورنا.
فأهلاً بك يا فساد!
لسنا نرحب بك، ولكننا عرفناك جيداً؛ عرفنا أصلك وفصلك، ومتى تأتي، ومتى تهرب، ومن يفتح لك الباب، ومن يغلقه في وجهك.
لكن تذكر جيداً:
قد يطول بقاؤك، وقد تتغير وجوهك، وقد تبدّل ثيابك، لكنك لن تكون أقوى من إرادة الإصلاح إذا صدقت النوايا وحضرت المحاسبة.