موجة الانتقادات للأردن وجلد الذات .. من يقف خلفها؟
محمد مطلب المجالي
30-08-2026 12:02 PM
في هذه المرحلة الدقيقة، تبدو موجة الانتقادات الموجهة إلى الأردن أعلى من المعتاد، ويشارك فيها أحياناً صوت من الخارج، وأحياناً صوت من الداخل يمارس جلد الذات، وكأن مهمته البحث عن كل ما هو سلبي وتقديمه للعالم على أنه صورة الأردن كاملة.
والسؤال ليس: هل الأردن بلا أخطاء؟ بالطبع لا. هناك مشكلات اقتصادية وإدارية ومعيشية، وهناك قرارات تستحق النقد والمراجعة، والنقد الصادق ضرورة. لكن السؤال الأهم: هل كل هذا النقد عفوي وطبيعي، أم أن بعضه يتحول إلى حملة لتشويه صورة الدولة وإضعاف ثقة المواطن بوطنه؟
الأردن يعيش في منطقة مضطربة، وقد دفع موقعه الجغرافي والسياسي ثمناً باهظاً من أزمات المنطقة. وفي مثل هذه الظروف، يصبح جلد الذات أكثر خطورة؛ فهناك فرق بين أن تقول: هذا خطأ ويجب إصلاحه، وبين أن تقول: كل شيء خطأ، ولا شيء في هذا البلد يستحق الدفاع عنه.
الأول مواطن حريص، أما الثاني فقد يتحول، من حيث يدري أو لا يدري، إلى أداة في يد من يريد إضعاف الثقة بالدولة والمجتمع. ولنكن واضحين: ليس كل ناقد عميلاً، وليس كل معارض متآمراً، وليس كل منشور سلبي جزءاً من مؤامرة. لكن من السذاجة أيضاً أن نعتقد أن الحروب الحديثة تُخاض بالسلاح وحده؛ فالمعلومة والصورة والرواية والرأي العام أصبحت جميعها ساحات للصراع.
المشكلة أن بعضنا أصبح يضخم كل سلبية، وينشر كل إشاعة، ويصدق كل رواية تنتقص من بلده، ثم يبرر ذلك بعبارة: «أنا أقول الحقيقة». والحقيقة لا تعني أن ترى نصف الكأس الفارغ فقط.
انتقدوا الحكومة، حاسبوا المسؤول، اكشفوا الخطأ، وطالبوا بالإصلاح، لكن لا تجعلوا أخطاء الحكومات سبباً لكراهية الوطن. فالحكومة تتغير، والمسؤول يغادر، والوزير يأتي ثم يرحل، أما الأردن فيبقى.
وفي زمن العواصف، لا يحتاج الوطن إلى من يجلده أمام الآخرين، بل إلى من يصلح أخطاءه ويحمي صورته ويدافع عن استقراره. فلنسأل عن الأخطاء، ولكن لنسأل أيضاً: من المستفيد من تحويل كل مشكلة أردنية إلى قضية وطنية كبرى؟ ومن المستفيد من إقناع الأردني بأن وطنه لا يستحق إلا اليأس؟
هذا هو السؤال الحقيقي.
الأردن يحتاج إلى نقد شجاع لا إلى جلد ذات، وإلى إصلاح حقيقي لا إلى تشويه، وإلى مواطن يرى الخلل بعين مفتوحة، لكنه يرى الوطن بعينين.