• اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الأردن في زمن العاصفة: حماية الدولة تبدأ من الداخل


د. بركات النمر العبادي
30-08-2026 12:22 PM

ما يجري في الضفة الغربية لم يعد شأناً فلسطينياً يمكن للأردن أن يراقبه من بعيد، بل أصبح تطوراً يرتبط مباشرة بالأمن الوطني الأردني، لما يحمله من احتمالات سياسية وأمنية وديمغرافية قد تمس استقرار المملكة ومصالحها العليا.

وفي مثل هذه اللحظات، لا يكفي أن نعلن مواقفنا السياسية، أو نتمسك بالقانون الدولي، أو نرفع مستوى الخطاب الدبلوماسي والإعلامي. كل ذلك ضروري، لكنه لا يجيب وحده عن السؤال الأصعب: ماذا يفعل الأردن إذا تجاوزت الأحداث حدود المواقف والبيانات، وفرضت وقائع جديدة نفسها على المنطقة؟

الدولة لا تُقاس فقط بما تقوله، وإنما بما تمتلكه من خيارات عندما تصبح المواقف وحدها غير كافية. والجاهزية لا تعني الرغبة في المواجهة، كما أن الواقعية لا تعني الاستسلام للوقائع. بينهما تقع مسؤولية الدولة : أن تستعد ، وأن تردع ، وأن تحسب الاحتمالات ، وأن تحمي مصالحها دون أن تفقد توازنها.

وهنا يصبح استحضار جوهر الفكر المحافظ الأردني الحديث أمراً ضرورياً. فالمحافظة الأردنية، في معناها السياسي والوطني، لا تقوم على الخوف من التغيير ولا على الانغلاق أمام المستقبل، وإنما على حماية الدولة باعتبارها تراكمًا تاريخياً، والحفاظ على استقرار المجتمع، وإدارة التغيير بتدرج وعقلانية، وعدم التضحية بما هو ثابت من أجل استجابة انفعالية لظرف عابر.

لقد بُني الأردن عبر عقود من التراكم : دولة ومؤسسات وجيش وأجهزة أمنية ومجتمع وتقاليد سياسية وعلاقات إقليمية ودولية. وهذه المنظومة لا يجوز التعامل معها باعتبارها أمراً مسلماً به؛ فهي رأس المال الوطني الذي ينبغي الحفاظ عليه في أوقات الاستقرار، وحمايته بصورة أكبر في أوقات الأزمات.

لكن حماية الدولة لا تعني حماية مؤسساتها فقط ، فالفكر المحافظ ينظر إلى المجتمع باعتباره شريكاً في حفظ الاستقرار، وإلى الروابط الاجتماعية والثقة المتبادلة باعتبارها جزءاً من القوة الوطنية. ولذلك فإن الخطر الخارجي يصبح أكثر خطورة عندما يجد في الداخل بيئة من الشك والتخوين والانقسام.

وهنا يجب أن ننتبه إلى ما يجري على منصات التواصل الاجتماعي. فالخلاف السياسي حق، والنقاش العام ضرورة، لكن تحويل الاختلاف إلى صراع على الهوية والانتماء يهدد أهم ما يملكه الأردن في أوقات الأزمات: تماسك مجتمعه.

وليس المطلوب أن يصبح الأردنيون متشابهين في آرائهم ، بل أن يبقوا مختلفين داخل إطار وطني واحد ، فالدولة القوية ليست دولة الرأي الواحد، وإنما دولة تستطيع أن تستوعب الاختلاف دون أن تسمح له بتحويل المجتمع إلى جماعات متصارعة.

وهذه أيضاً إحدى القواعد العميقة في التفكير المحافظ: الإصلاح دون هدم ، والتغيير دون قطيعة، والاختلاف دون تفكيك ، والقوة دون تهور.

الأردن اليوم بحاجة إلى هذا التوازن.

نحتاج إلى دبلوماسية نشطة ، ولكن أيضاً إلى خيارات تتجاوز الدبلوماسية إذا فرضت الأحداث ذلك. ونحتاج إلى قانون وإعلام ، ولكن إلى جانب جاهزية سياسية وأمنية حقيقية ، كما ونحتاج إلى علاقات دولية واسعة ، ولكن مع الحفاظ على أن يكون القرار الأردني نابعاً أولاً من قراءة المصلحة الوطنية.

والأهم من ذلك كله أن ندرك أن الوحدة الوطنية ليست مجرد عبارة تُقال عندما تشتد الأزمات ؛ إنها جزء من منظومة الأمن الوطني. فإذا كان الخطر الخارجي يستهدف حدود الدولة أو مصالحها، فإن الانقسام الداخلي يضعف قدرتها على مواجهته ، وإذا كانت الدولة تحتاج إلى أدوات القوة والردع ، فإنها تحتاج بالقدر نفسه إلى مجتمع يثق بها ، ومؤسسات تحظى بالاحترام، ونخب سياسية تعرف أن مسؤوليتها في الأزمات أكبر من رغبتها في تسجيل المواقف.

نحن لا نعرف إلى أين ستتجه تطورات الضفة الغربية ، ولا ما الذي قد تفرضه المرحلة المقبلة. لكننا نعرف أن الأردن لا يستطيع التحكم بكل ما يحدث حوله، بينما يستطيع أن يتحكم في درجة استعداده ، وفي تماسك مجتمعه ، وفي صلابة مؤسساته ، وفي وضوح مصالحه الوطنية.

وهنا ربما تكمن خلاصة الرؤية المحافظة الأردنية في هذه اللحظة:

لا نهدم ما بنيناه خوفاً من المستقبل ، ولا نقف مكتوفي الأيدي أمامه ، نحافظ على الدولة ، ونستعد للتغيير، ونواجه الخطر بعقل وحكمه، ونضع المصلحة الوطنية فوق الانفعال السياسي.

فالأردن الذي يحرس حدوده يحتاج أيضاً إلى أن يحرس تماسكه الداخلي.

وفي زمن العواصف ، المحافظة على الدولة ليست موقفاً محافظاً فحسب ؛ إنها شرط البقاء.

حمى الله الاردن من كل كريهة

* حزب المحافظين الاردني - الامين العام المساعد لشؤن التثقيف الحزبي





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :