حكوماتنا .. اقتراض وجباية وتدوير للمناصب ومداعبة للفساد!
محمد مطلب المجالي
31-08-2026 08:52 AM
يبدو أن مهمة بعض الحكومات عندنا أصبحت محفوظة عن ظهر قلب: اقتراض، وجباية، ورفع أسعار، وتدوير مواقع ومناصب، ثم مداعبة الفساد... وبعدها مؤتمر صحفي نسمع فيه أن الإصلاح يسير على قدم وساق! أي ساق هذه التي يسير عليها الإصلاح، ونحن نراه منذ سنوات يراوح في مكانه؟!
الحكومات تتغير، والوزراء يتبدلون، والبيانات تتشابه، أما المواطن فثابت في موقعه؛ يدفع، ويتحمل، وينتظر، ثم يسمع العبارة الشهيرة: الوطن غالٍ!
نعم، الوطن غالٍ، ونحن أول من يعرف ذلك، وندفع من أعمارنا وأرزاقنا وأعصابنا ثمناً لهذا الوطن. لكن هل يعني حب الوطن أن يصبح المواطن هو الحلقة الأضعف في كل معادلة اقتصادية؟ كلما ضاقت الموازنة، اتسعت يد الجباية، وكلما ارتفعت المديونية، ارتفعت الفواتير على المواطن!
أما تدوير المواقع والمناصب، فقد أصبح فناً إدارياً قائماً بذاته. تتغير الأسماء، وتنتقل الكراسي، ويغادر مسؤول موقعاً ليجد موقعاً آخر بانتظاره، وكأن الدولة لا تستطيع الاستغناء عن مجموعة محددة من الأشخاص!
وتأتي مجالس الإدارات ومجالس الأمناء لتكمل المشهد؛ مواقع ثمينة، وامتيازات محترمة، وأسماء تدور في الدائرة نفسها، بينما الكفاءات الوطنية الشابة تقف على قارعة الطريق، تحمل شهاداتها وخبراتها وأحلامها، وتنتظر فرصة حقيقية لا إعلاناً وظيفياً يعرف الجميع نتيجته قبل أن تبدأ المنافسة!
يا شباب الوطن، لا تيأسوا... فالدولة بحاجة إليكم، ولكن يبدو أنها بحاجة إليكم بعد أن تكبروا في السن وتفقدوا الحماس!
والأجمل أن بعض المسؤولين لا يبدو أنه المسؤول فعلاً؛ فثمة شخوص أقوى من المسؤول، يستطيعون التأثير في القرار من خلف الستار، بينما يبقى المسؤول الرسمي في الواجهة، يتلقى النقد، ويجيب عن الأسئلة، وربما يغادر موقعه، فيما تبقى اللعبة وقواعدها ولاعبوها!
أما الفساد، فله حكاية أخرى.
بدلاً من أن نضعه في قفص الاتهام، أصبحنا أحياناً نداعبه ونغازله ونترك له مساحة صغيرة في المشهد. لا يدخل الفساد دائماً من الباب الخلفي؛ أحياناً يدخل من الباب الرسمي، حاملاً ملفاً أنيقاً، ويرتدي بدلة وربطة عنق، ويجلس في اجتماع مجلس إدارة أو مجلس أمناء!
ثم نخرج علينا بندوات ومحاضرات عن النزاهة والحوكمة ومكافحة الفساد!
يا جماعة الخير، الفساد لا يخاف من الندوات، الفساد يخاف من القرار.
أما المواطن، فقد وصل إلى مرحلة لم يعد يعرف فيها هل راتبه راتب أم مجرد محطة عبور للفواتير والضرائب والأقساط والالتزامات. يفتح الراتب فيجد أن الجميع سبقوه إليه!
البيت يحتاج، والسيارة تحتاج، والأبناء يحتاجون، والعلاج يحتاج، والتعليم يحتاج، والسوق لا يرحم، والراتب يقول: "الله يكون بعونكم!"
حتى أصبحت متطلبات الحياة اليومية عبئاً يثقل الصدر ويكسر الظهر. ثم نستغرب لماذا أصبح الناس أكثر توتراً، ولماذا انتشرت أمراض الضغط والسكري والجلطات!
يا سادة، المواطن لا يحتاج إلى جهاز لقياس الضغط؛ يكفيه أن يفتح فاتورة الكهرباء أو يدخل السوق!
ولا يحتاج إلى تحليل للسكري؛ يكفيه أن يرى أسعار بعض السلع حتى يرتفع السكر تلقائياً!
أما الشباب، فحدث ولا حرج؛ مستقبل غامض، وفرص محدودة، وشهادات تتراكم، وأحلام تتآكل. أحداث تتلاحق حتى يصرخ الواحد منهم: أفٍّ وأفٍّ وأفٍّ!
ومع ذلك، ما زلنا نغني: الوطن غالٍ!
نعم، الوطن غالٍ، لكن المواطن أيضاً غالٍ. والوطن الذي نريده ليس وطناً يطالب أبناءه بالصبر إلى ما لا نهاية، وإنما وطناً يمنحهم الأمل والفرصة والعدالة.
نحن لا نريد هدم الوطن، ولا جلد الأردن، ولا التشكيك في مؤسساته؛ نريد أن نجلد الفشل والفساد والمحسوبية والترضيات وسوء الإدارة. نريد دولة تصل فيها الكفاءة إلى الموقع قبل الواسطة، ويكون المنصب مسؤولية لا مكافأة، والقرار بيد المسؤول لا بيد أصحاب النفوذ من خلف الستار.
نريد حكومات تنتج لا تستدين فقط، وتبني لا ترفع الجباية فقط، وتحارب الفساد لا تداعبه، وتفتح الأبواب أمام الشباب بدلاً من إبقائهم في طوابير الانتظار.
الوطن يستحق الأفضل... ويستحق إدارة تليق بتضحيات أبنائه.
فالأردن ليس فقيراً برجاله ولا بكفاءاته ولا بشبابه، وإنما يحتاج إلى عدالة في توزيع الفرص، وجرأة في اتخاذ القرار، ونزاهة في إدارة المال العام.
أما أن تبقى اللعبة: اقتراض، وجباية، وتدوير مناصب، ومداعبة فساد، وشاب على قارعة الطريق... ثم نغني جميعاً: الوطن غالٍ!
فنقولها بكل محبة وصدق:
نعم، الوطن غالٍ... ولهذا بالضبط لا يجوز أن يُدار بالرخيص من القرارات.