في الأردن، هنالك رقم ظل لسنوات يحدد موقع آلاف الخريجين في انتظار الوظيفة الحكومية. "رقم الدور" في مخزون ديوان الخدمة المدنية. بالنسبة إلى الدولة كان رقما في سجل، أما بالنسبة إلى صاحبه المنتظر فقد كان شيئا أقرب إلى حلم مؤجل، كلما تقدم قليلا بدا أنه يتحقق، وكلما طال الانتظار أصبح السؤال أكبر: هل سيصل الدور قبل أن يصبح العمر نفسه عائقا؟
اليوم تغيرت القاعدة. لم يعد التعيين الحكومي يقوم على انتظار الدور بالطريقة التي عرفها الأردنيون لعقود، بل تتجه الدولة إلى الإعلان المفتوح واختيار المتقدمين وفقا لمتطلبات الوظيفة والكفايات. وفي الكشف التنافسي الأساسي لعام 2026 يوجد 449,239 طلبا، لكن هيئة الخدمة والإدارة العامة تؤكد أن هذا الرقم لا يمثل عدد العاطلين عن العمل، وإنما عدد الراغبين في المنافسة على وظائف القطاع العام. كما تشير إلى أن أكثر من 40 بالمئة من أصحاب الطلبات يملكون قيوداً في سجلات الضمان الاجتماعي، ما يعني أنهم يعملون في القطاع الخاص أو قطاعات أخرى، مع بقاء حقهم في التنافس على الوظائف الحكومية.
هذه نقطة مهمة لأن الحديث عن 449 ألف عاطل ينتظرون الحكومة سيكون خطأ. الرقم يعكس مخزون الراغبين في التنافس على الوظيفة العامة وليس حجم البطالة في المملكة، وبعض أصحاب هذه الطلبات يعملون بالفعل خارج القطاع العام. المشكلة إذن ليست في رقم واحد يمكن اختزاله بكلمة "بطالة"، وإنما في مسار مهني كامل عاشه أصحاب هذه الطلبات تحت نظام مختلف.
وبموجب نظام إدارة الموارد البشرية في القطاع العام، كان مخططا أن تتم تعبئة 80 بالمئة من الشواغر الحكومية في 2026 من خلال الإعلان، مقابل 20 بالمئة من مخزون الخدمة المدنية، على أن يصبح التعيين من خلال الإعلان بنسبة 100 بالمئة اعتبارا من جدول تشكيلات 2027. ومع إصدار الكشف التنافسي لعام 2026، أكدت الهيئة أن أصحاب الطلبات القديمة يستطيعون التقدم إلى الوظائف التي تعلن عنها الجهات الحكومية إذا انطبقت عليهم الشروط، بغض النظر عن دورهم وترتيبهم التنافسي السابق.
من الناحية الإدارية، يصعب الاعتراض على فكرة أن الوظيفة يجب أن ترتبط بالحاجة والكفاءة، وأن الشاغر ينبغي أن يعلن عنه بدلا من إبقاء آلاف الطلبات في انتظار طويل. كما أن ديوان الخدمة المدنية نفسه كان قد أشار قبل التحول إلى الإعلان المفتوح إلى أن الترشيح من المخزون القائم على الأقدمية لا يعكس بصورة كافية احتياجات الوظيفة من المهارات والقدرات، وهو ما كان أحد أسباب التوجه إلى نظام أكثر ارتباطا بمتطلبات الشاغر.
لكن الإصلاح الإداري لا يجري في فراغ. فالقاعدة الجديدة لا تطبق على خريجين قد خرجوا للتو من الجامعة، بل على أشخاص عاشوا لسنوات في ظل قاعدة مختلفة، وكان "رقم الدور" بالنسبة لهم جزءا من حساباتهم للمستقبل.
وهنا بالضبط بدأت المشكلة التي لم يعد ممكنا اعتبارها مجرد شكوى من خريجين قدامى. قبل مدة، قالت اللجنة الإدارية النيابية إن التحول إلى الإعلان المفتوح ألحق ضررا بعدد من أصحاب الأدوار المتقدمة والخريجين القدامى الذين انتظروا سنوات في ظل أنظمة وتعليمات كانت سارية، وطالبت بمراجعة آليات التعيين وشروط العمر والتقدير والخبرة في الإعلانات. كما أوصت بمراجعة الامتحانات بما يراعي سنة التخرج والخبرة العملية، وتنفيذ برامج تدريب وتأهيل للخريجين القدامى قبل إعادة المنافسة.
وقبل مدة أيضا، وجهت النائب هالة الجراح سؤالا إلى الحكومة حول مصير المواطنين المسجلين في مخزون ديوان الخدمة بعد إلغاء العمل به والاعتماد على الإعلانات المفتوحة، وسألت عن مصير أولئك الذين زاد انتظار بعضهم عن العشر سنوات، في انتظار دورهم في التعيين.
هذه الوقائع تغير طبيعة النقاش. فنحن لا نتحدث عن قضية بعض أشخاص يطالبون بوظيفة عامة ولا عن حق تلقائي في التعيين. نحن نتحدث عن فئة دخلت منظومة رسمية، وانتظرت داخلها، ثم تغيرت المنظومة قبل أن تنتهي قصتها وقبل ظان تجد تلك المنظومة حلاً لها.
ولا يعني ذلك أن الدولة مطالبة بتعيين أصحاب الطلبات القديمة جميعهم. فمخزون بهذا الحجم يجعل ذلك غير ممكن عمليا، كما أن وجود الطلب في السجل ليس حقا في وظيفة بعينها. لكن بين التعيين التلقائي وبين تجاهل سنوات الانتظار مساحة واسعة يمكن أن تكون جوهر المرحلة الانتقالية.
هنا تدخل أرقام سوق العمل، وهي أرقام لا يجوز تجاهلها إذا أردنا نقاشا منصفا. صافي فرص العمل المستحدثة للأردنيين خلال 2025 بلغ 87,617 فرصة، وهو أعلى مستوى مسجل في تاريخ المملكة، واستحوذ الأردنيون على نحو 91 بالمئة من إجمالي فرص العمل المستحدثة.
هذه نتيجة مهمة في حد ذاتها، لكنها لا تجيب وحدها عن السؤال الذي يهم الخريجين والباحثين عن عمل. فماذا فعلت هذه الزيادة التاريخية في وضع البطالة؟ البطالة بين الأردنيين انخفضت في الربع الثاني من 2026 إلى 21 بالمئة، مقارنة بـ21.3 بالمئة في الربع الثاني من 2025، أي بانخفاض قدره 0.3 نقطة مئوية خلال عام.
المقارنة بين الرقمين لا تعني التشكيك في عدد الوظائف المستحدثة، ولا تقلل من أهميته. لكنها تفرض سؤالا مشروعا: إذا كان الاقتصاد قد استحدث هذا العدد القياسي من فرص العمل، فما حجم الأثر الفعلي الذي وصل إلى سوق العمل، ومن استفاد من هذه الفرص، وإلى أي حد انعكست على الفئات التي ما زالت تواجه صعوبة في الدخول إلى السوق أو الاستمرار فيه؟
الإجابة تصبح أكثر وضوحا عندما ننظر إلى توزيع الفرص بحسب العمر. في النصف الثاني من 2025 استحوذت الفئة العمرية بين 20 و29 عاما على 78.8 بالمئة من صافي فرص العمل المستحدثة للأردنيين، بواقع 36,829 فرصة، بينما فقدت الفئة العمرية 40 عاما فأكثر 3,676 فرصة عمل صافية.
وهنا لا يتعلق الأمر بمنافسة الشباب لكبار السن، ولا ينبغي أن يتحول إلى ذلك. من الطبيعي أن يكون دخول الشباب إلى سوق العمل أولوية، ومن الطبيعي أن تستفيد الفئة الأصغر من جانب كبير من الوظائف الجديدة. لكن الأرقام تقول شيئا ينبغي أن يدخل في صميم السياسة العامة: الوظائف الجديدة لا تتوزع بالتساوي بين الأعمار، ومن تأخر في بناء مساره المهني يواجه اليوم سوقا تستقبل الداخلين الجدد بسرعة أكبر.
وهذا هو السؤال الذي يهم الخريجين القدامى تحديدا. إذا كان الاقتصاد يخلق وظائف بأرقام تاريخية، فلماذا لا تبدو هذه الوظائف بالقدر نفسه من الفاعلية بالنسبة إلى من أمضوا سنوات خارج مسار مهني مستقر؟ وهل يكفي أن نقول إن الفرص موجودة، إذا كانت نسبة كبيرة منها تذهب إلى فئة عمرية أصغر، فيما يجد من تجاوز الأربعين نفسه أمام شروط عمرية قد تمنعه من دخول المنافسة أصلا؟
وهذه ليست مسألة نظرية. فقد تضمنت إعلانات حكومية منشورة خلال 2026 شروطا تحدد سنة الميلاد للمتقدمين. ومن بين الإعلانات التي ظهرت شروطها اشتراط مواليد 1990 فما فوق في بعض الوظائف، ومواليد 1995 فما فوق في وظائف أخرى، بما يعني عمليا استبعاد من ولدوا قبل تلك السنوات حتى لو استوفوا بقية الشروط. وتظهر أمثلة على ذلك في إعلانات حكومية لوظائف فنية وإدارية وتخصصية مختلفة.
قد يكون للعمر مبرر مهني في وظيفة معينة، ولا يصح القول إن كل شرط عمري تعسفي. لكن السؤال المشروع هو عن العلاقة بين سنة الميلاد وطبيعة الوظيفة. فإذا كانت الكفاءة هي المعيار، فلماذا يمنع شخص من دخول المنافسة قبل أن تختبر كفاءته؟ وإذا كانت هناك ضرورة فعلية للسن، فما طبيعة هذه الضرورة في الوظيفة المحددة؟
وتزداد المسألة حساسية عندما تجتمع شروط العمر مع الخبرة. فبعض الوظائف تستهدف فئات عمرية شابة وفي الوقت نفسه تطلب خبرة عملية، وهي معادلة تحتاج إلى تفسير عندما يتعلق الأمر بخريجين تأخروا في بناء مسارهم المهني بسبب سنوات الانتظار أو بسبب طبيعة سوق العمل الذي دخلوا إليه.
ولا يعني هذا أن كل خبرة غير موثقة يجب أن تقبل، أو أن كل من عمل خارج الضمان الاجتماعي يمتلك بالضرورة خبرة تعادل الخبرة الرسمية. لكن وجود أكثر من 40 بالمئة من أصحاب الطلبات في المخزون ممن لديهم قيود في سجلات الضمان الاجتماعي يعني أن جزءا كبيرا من هؤلاء دخلوا سوق العمل في القطاع الخاص أو قطاعات أخرى. لذلك فإن طريقة إثبات الخبرة تصبح جزءا من القضية، خصوصا بالنسبة إلى من عمل في ظروف مهنية غير مستقرة.
وهنا أيضا يجب ألا نخلط بين وجود الوظيفة وبين وجود المسار المهني. القطاع الخاص استحوذ على 73.1 بالمئة من صافي فرص العمل المستحدثة في النصف الثاني من 2025، وهو ما يؤكد أنه المصدر الأكبر للفرص الجديدة. لكن التقرير نفسه أظهر أن ظروف العمل وطبيعته كانت السبب الرئيسي لترك الوظائف لدى 46.8 بالمئة ممن غادروا أعمالهم، ومن بين الأسباب المرتبطة بذلك بعد مكان العمل عن السكن وطول ساعات العمل.
بمعنى آخر، الرقم القياسي للوظائف مهم، لكنه لا يكفي وحده لقياس وضع الشباب أو الخريجين القدامى. هناك فرق بين استحداث وظيفة وبين بناء مسار مهني مستقر، وبين دخول شخص إلى سوق العمل وبين قدرته على البقاء فيه، وبين انخفاض البطالة وبين معالجة الفجوة التي تراكمت لدى من تأخروا في دخول السوق.
وهذا لا يقلل من قيمة التحسن في مؤشرات سوق العمل. بالعكس، انخفاض البطالة وارتفاع فرص العمل يجب أن يكونا فرصة للدولة كي تعالج الفئات التي لم تستفد بالقدر نفسه من التحسن، لا سببا لإغلاق النقاش معها. فإذا كان السوق يتحسن، فمن المنطقي أن يكون السؤال التالي: من الذي ما زال خارج دائرة الاستفادة، ولماذا؟
وهنا تحديدا تبدو الحاجة إلى معالجة انتقالية للخريجين القدامى أكثر إلحاحا. هيئة الخدمة والإدارة العامة قالت إنها تدرس خيارات لتعزيز فرص الخريجين القدامى، مع مراعاة امتلاكهم الكفايات والقدرات المطلوبة لسوق العمل والوظيفة العامة. واللجنة الإدارية النيابية أوصت بدورها ببرامج تدريب وتأهيل للخريجين القدامى، وبمراجعة الامتحانات بما يراعي سنة التخرج والخبرة العملية، وبإلزام الجهات المعلنة بتوضيح مبررات شروط العمر والتقدير والخبرة.
هذه ليست مطالبة بإلغاء الإعلان المفتوح، ولا بالعودة إلى قاعدة "إجا دورك". التوظيف العام يحتاج إلى الكفاءة، والدولة تحتاج إلى اختيار من تحتاج إليهم فعلا، لا إلى الاستمرار في إدارة طوابير لا تنتهي. لكن الانتقال إلى نظام جديد لا يعني أن الأشخاص الذين عاشوا في النظام القديم يجب أن يبدأوا من الصفر وكأن السنوات السابقة لم تكن موجودة.
يمكن أن يكون للأقدمية وسنة التخرج وزن في بعض مسارات المنافسة، من دون أن تتحولا إلى حق مطلق في الوظيفة. ويمكن مراجعة الشروط العمرية عندما لا تكون مرتبطة مباشرة بطبيعة الوظيفة، وتبريرها عندما تكون ضرورية. ويمكن التفكير في طرق أكثر مرونة للتحقق من بعض الخبرات السابقة، بحيث لا يصبح شكل الإثبات أهم من مضمون الخبرة. ويمكن أيضا توفير مسارات تأهيل للخريجين القدامى الذين أصبحت المنافسة أمامهم أكثر صعوبة بسبب سنوات الانتظار.
هذه ليست مطالبة بامتياز لجيل معين. هي محاولة لمنع أن يتحول تحديث النظام إلى تحميل جيل واحد كامل كلفة الانتقال.
والنقاش حول العمر لا ينبغي أن يتحول بدوره إلى مواجهة بين الشباب وكبار السن. العمر ليس عيبا، والشباب ليس ضمانا للكفاءة، والخبرة ليست امتيازا دائما. ما يجب أن يكون ثابتا هو المعيار نفسه. فإذا كانت الخبرة والكفاءة هما الأساس، فينبغي أن يكون العمر مرتبطا بطبيعة الوظيفة حين يكون ضروريا، لا أن يصبح وحده بوابة تمنع المنافسة.
وفي هذا السياق، يبرز أيضا النقاش الذي رافق التعيينات الأخيرة لمجالس أمناء الجامعات الرسمية، إذ شملت التشكيلة الجديدة شخصيات ذات أعمار متقدمة. ولا تكمن المسألة في الاعتراض على تولي أصحاب الخبرة المتقدمة مواقع عامة، وإنما في السؤال الأوسع عن اتساق النظرة إلى العمر داخل مؤسسات الدولة. فالخبرة التي يمكن أن تكون قيمة مضافة في موقع عام لا يفترض أن تتحول تلقائيا إلى عيب عندما يتعلق الأمر بمتقدم لوظيفة أخرى، ما لم تكن طبيعة الوظيفة نفسها تبرر ذلك.
المسألة إذن ليست مواليد الثمانينات في مواجهة مواليد التسعينات، ولا الشباب في مواجهة كبار السن، ولا أصحاب الطلبات القديمة في مواجهة الخريجين الجدد. إنها مسألة انتقال بين نظامين، وكيف يمكن أن يكون هذا الانتقال عادلا لمن عاشوا سنواتهم المهنية في ظل النظام السابق.
الأرقام الاقتصادية تمنح الدولة سببا قويا للاستمرار في الإصلاح. هناك 87,617 فرصة عمل صافية جديدة للأردنيين في 2025، وهو رقم تاريخي، والبطالة بين الأردنيين انخفضت إلى 21 بالمئة، والإعلان المفتوح يتوسع باتجاه التحول الكامل في 2027. لكن هذه الأرقام تفتح سؤالا لا تغلقه: إذا كان سوق العمل يتحسن، فكيف نضمن أن يصل أثر هذا التحسن أيضا إلى من تأخروا في بناء مسارهم المهني، لا أن تظل معظم الفرص الجديدة متركزة في الفئات الأصغر سنا؟
نجاح الإصلاح لا يقاس فقط بعدد الوظائف التي استحدثها الاقتصاد، ولا بعدد الإعلانات التي نشرتها الدولة. يقاس أيضا بقدرة النظام الجديد على التعامل مع الفجوة التي تركها النظام القديم، وبقدرته على تحويل تحسن سوق العمل من رقم تاريخي في تقرير إلى فرصة فعلية لمن ما زال يبحث عن مكانه فيه.
ليس المطلوب أن يحصل صاحب الدور القديم على وظيفة لأنه انتظر.
المطلوب ألا يصبح الانتظار الذي عاشه في ظل نظام رسمي سببا إضافيا في استبعاده عندما تتغير القواعد.