حين تتحدث السياسة .. تكشف الشخصيات
محمد مطلب المجالي
07-09-2026 09:05 AM
في السياسة، لا تكشف الكلمات وحدها مواقف أصحابها، بل تكشف الشخصيات نفسها؛ فهناك من يتعاطى الشأن العام بثقة وهدوء، يعرف ماذا يقول ومتى يقول، وهناك من يثقل على الناس بتصريحاته، وكأنه في كل مرة يريد أن يثبت أنه الأعلم والأفهم والأقدر، حتى وإن قالت الوقائع غير ذلك.
ثمة شخصيات سياسية وازنة لا تحتاج إلى رفع الصوت كي تُسمع، ولا إلى كثرة الظهور كي تثبت حضورها. تتحدث بقدر، وتختلف بأدب، وتنتقد بمسؤولية، وتعرف أن السياسة ليست استعراضًا ولا سباقًا على عدد التصريحات، بل مسؤولية وموقف وقراءة دقيقة للواقع.
وفي المقابل، هناك من يتعامل مع السياسة وكأنها ساحة لإثبات الذات؛ يكثر من الكلام، ويرفع سقف المواقف، ويطلق التصريحات دون أن يحسب نتائجها، ثم يكتشف أن الكلمة السياسية ليست حديث مجلس عابر؛ فقد تُفهم موقفًا، وتُفسَّر اتجاهًا، وتترك أثرًا يصعب التراجع عنه.
والأصعب شخصية مرتبكة، تحاول أن تغطي ضعفها بكثرة الكلام وقسوة العبارات، فتبدو وكأنها في معركة دائمة، تخشى الآخر أكثر مما تواجهه، وتظن أن رفع سقف الخطاب دليل قوة، بينما القوة الحقيقية أن تعرف متى تتحدث ومتى تصمت.
السياسة لا تحتاج إلى شخصيات تتحدث عن نفسها أكثر مما تتحدث عن الوطن، ولا إلى من يحوّل كل قضية إلى مناسبة لتسجيل موقف شخصي. المواطن يريد سياسيًا يفكر قبل أن يتحدث، ويزن كلماته، ويدرك أن المسؤولية أكبر بكثير من الرغبة في الظهور.
والسياسي الحقيقي لا يُقاس بعدد تصريحاته، ولا بعدد الصور التي يظهر فيها، ولا بحجم الحضور الإعلامي من حوله، وإنما بما يتركه من أثر، وبقدرته على التعامل مع الاختلاف دون خصومة، والدفاع عن موقفه دون إساءة، والاعتراف بالخطأ عندما يخطئ.
فالسياسة مرآة لا تخدع؛ من يملك الثقة تظهر في حديثه، ومن يملك الحكمة تظهر في مواقفه، ومن يملك الرؤية لا يحتاج إلى استعراض. أما من يفتقد ذلك، فلن تنقذه كثرة الكلام، لأن الشخصية السياسية تُكشف عند المواقف، لا عند الميكروفونات.
ويبقى الأهم أن ندرك أن الوطن ليس مسرحًا لاستعراض الشخصيات، ولا ساحة لتصفية الحسابات أو صناعة البطولات الوهمية. فالكلمة مسؤولية، والموقف أمانة، والسياسة في نهاية الأمر أخلاق قبل أن تكون موقعًا أو منصبًا.
ومن لا يملك ثقل الموقف، لن تصنع منه كثرة الكلام شخصية سياسية وازنة؛ فالأوزان الحقيقية لا تُقاس بعلو الصوت، ولا بكثرة الظهور، وإنما بثقل الموقف، ورجاحة العقل، وحسن التقدير.