المرحلة الثانوية ثلاث سنوات .. فماذا عن التوجيهي؟
فيصل تايه
09-09-2026 10:44 AM
المشكلة ليست في أن المرحلة الثانوية أصبحت ثلاث سنوات، وإنما في أن ننظر إلى هذه السنوات الثلاث بعين "التوجيهي" القديم. فثلاث سنوات من التعليم شيء، وثلاث سنوات من الامتحان والقلق وانتظار النتيجة شيء آخر تماماً. والفرق بينهما لا يتعلق بعدد السنوات، بقدر ما يتعلق بالفلسفة التربوية التي نريد أن تحكم هذه المرحلة وتحدد غاياتها.
فماذا يعني أن يصبح الصف العاشر جزءاُ أصيلاً من المرحلة الثانوية؟
تبدأ الإجابة من النص التشريعي؛ فقد أعاد قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية رقم (١٣) لسنة ٢٠٢٦ رسم خريطة المراحل التعليمية في المملكة، فجعل التعليم المتوسط ممتداً من الصف الرابع إلى التاسع، والتعليم الثانوي من الصف العاشر إلى الثاني عشر، ضمن مساريه الأكاديمي والمهني التقني. وبذلك لم يعد الصف العاشر خاتمة للتعليم الأساسي كما اعتاد الأردنيون عقوداً طويلة، بل أصبح البوابة الرسمية للتعليم الثانوي.
لكن هذا التفصيل القانوني، على أهميته التنظيمية، ليس هو السؤال الأهم. فالسؤال الذي ينبغي أن يشغل الميدان التربوي والمجتمع هو: ماذا سنفعل بهذه السنوات الثلاث؟ وكيف نضمن ألا نكرر الأخطاء ذاتها تحت مسميات جديدة؟
هنا يبدأ جوهر الإصلاح.
في النظام الذي عرفناه طويلاً، لم يكن التوجيهي مجرد امتحان عام، بل أصبح في الوعي الجمعي بوابة رئيسة للجامعة ومقياساً حاسماً لمستقبل الطالب، ومصدراً هائلاً للقلق الأسري والمجتمعي. حتى غدا التعليم الثانوي، في كثير من الأحيان، طريقاً طويلاً ينتهي بامتحان قصير، وتُختزل سنوات من التعلم في رقم ينتظر الجميع صدوره.
أما النظام الجديد، فيفترض أن يفصل بين وظيفتين اختلطتا طويلاً: إتمام الدراسة الثانوية من جهة، ومتطلبات القبول في مؤسسات التعليم العالي من جهة أخرى. فالطالب ينهي مرحلته الثانوية ويحصل على شهادته المدرسية، بينما يصبح الامتحان العام أداة للمفاضلة والقبول الجامعي. وبحسب ما أوضحه وزير التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية عزمي محافظة، لم يعد التوجيهي بصورته التقليدية قائمًا، وأصبح بإمكان الطالب التقدم للامتحان العام وفق التنظيم الجديد بدءاً من نهاية الصف الحادي عشر.
وهنا يجب أن تكون الصورة واضحة: الثلاث سنوات يجب أن تكون للطالب، لا للتوجيهي.
وهذه ليست مناورة في المصطلحات، بل ينبغي أن تكون تغييراً في فلسفة التعليم نفسها. فالمدرسة ليست مصنعاً لإنتاج العلامات، والطالب ليس ورقة إجابة تنتظر رقماً يحدد قيمته وقدراته. السنوات الثلاث ينبغي أن تمنح الطالب ما حُرم منه طويلاً: وقتاً حقيقياً للتعلم، ومساحة لاكتشاف قدراته، وفرصة لتجريب الخيارات وبناء مساره الأكاديمي أو المهني بوعي، بدل أن يعيش المرحلة الثانوية كلها بوصفها عدًا تنازلياً نحو الامتحان.
ومن هنا تأتي أهمية إعادة بناء المسارات الحقلية والتخصصية، والخروج من التقسيم التقليدي الجامد بين "العلمي والأدبي"، باتجاه خيارات أكثر اتصالاً بميول الطالب وقدراته. والأهم أن يستعيد التعليم المهني والتقني مكانته بوصفه مساراً حقيقياً للتميز وبناء المستقبل، لا خياراً أخيراً لمن لم تساعده علاماته في المسار الأكاديمي. فاختيار الطالب لمساره المهني يجب أن يكون قراراً واعياً ينسجم مع قدراته وطموحه وفرص سوق العمل.
والسؤال الذي ينبغي أن يسبق دائماً سؤال "كم حصل الطالب من العلامة؟" هو: ماذا يعرف الطالب عن نفسه عندما يصل إلى نهاية المرحلة الثانوية؟
هل يعرف ما يجيده حقاً ؟ وما الذي يميل إليه؟ وما المجال الذي يستطيع أن يبدع فيه؟ وهل اختار مساره لأنه يناسب قدراته وشخصيته، أم لأنه المسار الذي سمحت له به علامته؟
هذه الأسئلة هي التي تمنح السنوات الثلاث معناها التربوي الحقيقي.
لكن القانون، مهما كان متقدماً، لا يغيّر الواقع المدرسي وحده. فالامتحان الحقيقي للإصلاح سيبدأ يوم يدخل الطالب صفه العاشر، لا يوم تنشر التعليمات في الجريدة الرسمية.
وهنا يبرز السؤال الأصعب: هل ستتغير المناهج وأساليب التقييم فعلاً؟ وهل سينتقل المعلم من دور الملقن للامتحان إلى دور الموجه الذي يساعد الطالب على اكتشاف قدراته؟ وهل ستتوقف المدرسة عن النظر إلى الامتحان العام باعتباره المقياس الوحيد لنجاحها؟
وثمة سؤال آخر لا يقل أهمية: إذا أصبح الامتحان العام أداة للقبول الجامعي، فكيف نضمن عدالة المفاضلة بين الطلبة دون أن يتحول الضغط القديم إلى سلسلة اختبارات متواصلة تمتد على سنوات المرحلة الثانوية؟
المطلوب هنا ليس استبدال امتحان واحد بعدد أكبر من الامتحانات، وإنما بناء منظومة تقييم أكثر توازناً، تجمع بين نتائج الطالب في المدرسة ونتائج الامتحان العام، وتقيس ما تعلمه وما يستطيع أن يفعله، لا مقدار ما يستطيع أن يحفظه. فالإصلاح الحقيقي هو الذي يجعل التقييم وسيلة لفهم تعلم الطالب، لا وسيلة لإعادة إنتاج القلق بصورة جديدة.
إن المشكلة لم تكن يوماً في عدد الامتحانات، بل في الفلسفة التي تقف خلفها. فإذا أصبحت السنوات الثلاث مجرد "توجيهي" موزع على مراحل، فنحن نكون قد غيّرنا التقويم الزمني ولم نغيّر التعليم. أما إذا أصبحت سنوات يتعلم فيها الطالب أكثر، ويختار بوعي أكبر، ويكتشف نفسه قبل أن يختار تخصصه، فنحن أمام إصلاح بنيوي حقيقي.
لقد دخل قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية رقم (١٣) لسنة ٢٠٢٦ حيز التنفيذ، وبدأ معه فصل جديد في تاريخ التعليم الأردني. لكن القوانين لا تنجح بمجرد صدورها، وإنما تنجح عندما تتحول من نصوص على الورق إلى ممارسة يومية، ومن تعليمات إلى ثقافة مدرسية جديدة يعيشها الطالب والمعلم والأسرة.
ولهذا، لن يكون السؤال المعياري بعد سنوات: هل تغير التوجيهي؟
بل سيكون السؤال الأهم: هل أصبح الطالب الأردني أكثر تعلماً، وأكثر قدرة على الاختيار، وأكثر معرفة بنفسه وميوله، وأكثر استعداداً للحياة والجامعة وسوق العمل؟
إذا كانت الإجابة نعم، فقد نجح الإصلاح وبلغ غايته.
أما أنا، فلا أريد للطالب الأردني ثلاث سنوات من "التوجيهي"، بل أريد له ثلاث سنوات من "الثانوية" بمعناها الشامل؛ ثلاث سنوات يتعلم فيها، ويكتشف قدراته، ويختار مساره، ويبني مستقبله بثقة.
فالتوجيهي، مهما بلغت أهميته، يجب أن يعود أخيراً إلى حجمه الطبيعي: امتحاناً ومحطة في طريق الطالب، لا أن يكون هو الطريق كله.