بيزا 2025: الأردن يتقدم .. والأرقام تفتح الملف الأصعب
فيصل تايه
10-09-2026 08:40 AM
حين أعلنت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية نتائج PISA 2025، كان من الطبيعي أن نتوقف عند التحسن الذي حققه الأردن. فقد ارتفع أداء الطلبة الأردنيين إلى 388 نقطة في الرياضيات، و363 في القراءة، و407 في العلوم، مقارنة بنتائج 2022؛ بزيادة بلغت 26 نقطة في الرياضيات، و20 في القراءة، و32 في العلوم. وفي دورة تراجعت فيها نتائج عدد من الأنظمة التعليمية، تبدو هذه الأرقام خبراً يستحق التقدير.
لكن بيزا لا تسألنا فقط: أين نقف؟ بل تضع صانع القرار أمام سؤال أصعب: ماذا يستطيع الطالب أن يفعل بما تعلمه؟ فالاختبار يقيس الفهم والاستدلال وتطبيق المعرفة في مواقف جديدة، أكثر مما يقيس استرجاع المعلومات. ولهذا فإن ارتفاع النتائج مهم، لكن الأهم أن نعرف هل يعكس تحسناً حقيقياً وتحولاً في نوعية التعلم يمكن البناء عليه، أم أنه تعافٍ جزئي بعد انحسار آثار انقطاعات التعليم في السنوات السابقة.
وهناك ما يدعو إلى التفاؤل. فقد انخفضت نسبة الطلبة دون المستوى الثاني بنحو 14 نقطة مئوية في الرياضيات، و6 في القراءة، و17 في العلوم مقارنة بعام 2022. وهذا ربما أهم من ارتفاع المتوسط نفسه؛ لأن أي إصلاح تعليمي جاد يبدأ بتوسيع قاعدة الطلبة الذين يمتلكون الحد الأدنى من المهارات التي تمكنهم من مواصلة التعلم بثقة.
لكن الصورة لم تكتمل بعد. ففي العلوم، ما يزال 52% من الطلبة الأردنيين دون المستوى الثاني، بينما لا تتجاوز نسبة من بلغوا المستويين الخامس والسادس 0.3%. وهذه الأرقام تقول بوضوح إن أمام النظام التعليمي مهمتين متلازمتين: رفع مستوى من هم في القاعدة، وتوسيع مساحة التميز لدى الطلبة القادرين على الوصول إلى مستويات التفكير المتقدمة.
وهنا تصبح قراءة النتائج أهم من الاحتفاء بها. فارتفاع المتوسط لا يتحول تلقائياً إلى تحول في التعليم.
التحول الحقيقي يظهر عندما يصبح التحسن قابلاً للاستمرار، وعندما ينعكس في الصفوف والممارسات التعليمية، وفي قدرة المدارس على مساعدة الطالب على التفكير والتحليل وحل المشكلات، لا على اجتياز الاختبار فحسب. وهذا يتطلب، في المقابل، أن تنسجم اختباراتنا المدرسية وتقييماتنا الوطنية اليومية بدرجة أكبر مع التعلم القائم على الفهم والتطبيق والاستدلال.
وتزداد أهمية ذلك إذا وضعنا النتيجة في سياقها الدولي. فقد شهد متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تراجعاً في الرياضيات والقراءة مقارنة بعام 2022، بينما بقي أداء العلوم أكثر استقراراً.
لذلك فإن تقدم الأردن يستحق أن يُقرأ بوصفه تقدماً حقيقياً، حتى مع استمرار الفجوة بين أداء طلبتنا ومتوسط المنظمة. فالمهم ليس موقعنا في جدول المقارنة وحده، بل اتجاه الحركة وقدرتنا على الحفاظ عليها.
ومع ذلك، تحمل الأرقام تنبيهاً لا ينبغي تجاهله. فقد اتسعت الفجوة بين أعلى الطلبة وأدناهم في الرياضيات والعلوم مقارنة بعام 2022، بينما ضاقت في القراءة. وهذا يعني أن تحسين المتوسط وحده لا يكفي.
السؤال الأهم: من هم الطلبة الذين ما زالوا خارج دائرة التقدم، ولماذا؟ فالتعليم لا يقاس فقط بما يحققه أفضل الطلبة، وإنما أيضاً بقدرته على رفع من هم في الطرف الأضعف من خلال برامج دعم مخصصة وتدخلات علاجية أكثر دقة.
وتقدم النتائج إشارات أخرى تستحق التوقف. فالطالبات الأردنيات تفوقن على الطلاب في العلوم بفارق 20 نقطة، وهو فارق أكبر بكثير من متوسط الفارق في دول المنظمة. وهذه نتيجة تستحق دراسة جادة لفهم ما وراءها، من طرائق التدريس إلى البيئة التعليمية والعوامل المرتبطة بالانخراط في التعلم، ولا سيما في مدارس الذكور.
كما أن ارتباط الوضع الاجتماعي والاقتصادي بالأداء العلمي يبدو أقل في الأردن من متوسط دول المنظمة، وهو مؤشر يفتح مجالاً مهماً للبحث في أثر المدرسة والممارسات التعليمية نفسها، بعيداً عن تفسير النتائج بالعوامل الاجتماعية وحدها.
لهذا، فإن السؤال الذي تطرحه نتائج بيزا 2025 على الأردن ليس كيف نحتفل بالتحسن، وإنما كيف نحوله إلى مسار ثابت.
ماذا تغير في طريقة التعلم؟ ما الذي نجح؟ وأين ما زالت المدارس بحاجة إلى دعم مختلف؟ والأهم: هل نستطيع أن نحول هذه البيانات الدولية إلى قرارات أكثر دقة داخل الصف والمدرسة، عبر تفكيكها على مستوى المديريات والمدارس، وتحديد مكامن القوة لنقل الخبرات الناجحة، وتشخيص مواضع الخلل لمعالجتها؟
هذه الأسئلة هي التي ستحدد قيمة نتيجة 2025 بعد سنوات. فإذا كان التحسن يعكس تقدماً حقيقياً في التعلم، فعلينا أن نحميه ونبني عليه. وإذا كان بعضه مرتبطاً بعوامل ظرفية، فعلينا أن نفهم ذلك أيضاً. ففي الحالتين، لا ينبغي أن تكون النتيجة نهاية النقاش، بل بدايته.
بيزا 2025 أعطت الأردن سبباً حقيقياً للتفاؤل، لكنها أعطته في الوقت نفسه مسؤولية أكبر. لقد أثبتت النتائج أن التحسن ممكن، وهذه ربما أهم رسالة فيها. أما التحدي الحقيقي فهو أن يتحول هذا التحسن من رقم في تقرير دولي إلى تغيير مستدام في ما يتعلمه الطالب، وكيف يتعلمه، وما يستطيع أن يفعله بما تعلمه.
فالنجاح في بيزا ليس أن نتقدم مرة، وإنما أن نعرف لماذا تقدمنا، وكيف نحافظ على هذا التقدم، وكيف نجعل الخطوة التالية أكبر من السابقة.