هل يعرف الركاب ما تراه قمرة القيادة؟!
محمود الدباس - أبو الليث
10-09-2026 09:02 AM
لفتني مقال صديقي الكابتن الطيار يوسف الهملان الدعجة.. الذي حمل عنوان (الأردن.. حين يرى ما لا يراه الآخرون.. كعين طيار محترف).. ليس فقط لجمال التشبيه.. وإنما لأن فكرة الطيار الذي يرى العاصفة قبل الركاب.. تصلح لأن تكون مدخلاً لفهم جانب مهم من طريقة تعامل القيادة الأردنية مع عواصف المنطقة..
فالطيار المحترف.. لا يقيس نجاحه بعدد العواصف التي دخلها.. وإنما بعدد العواصف التي استطاع تجاوزها دون أن يفقد توازنه.. ودون أن يحول خوف الركاب إلى حالة من الهلع.. ودون أن يغامر بالطائرة.. لمجرد أن يثبت للآخرين أنه شجاع..
وهكذا تبدو لي القيادة الأردنية في كثير من المحطات.. قيادة تشربت السياسة بحكم التجربة.. والتاريخ.. وعرفت الأردن كما هو.. بإمكانياته وحدوده ومصالحه وموقعه..
ولذلك فهي لا تتعامل مع المنطقة بعقلية المقامر.. ولا بعقلية المتفرج.. وإنما بعقل من يعرف.. أن الخطأ في هذه المنطقة.. قد لا تكون كلفته تصريحاً سياسياً.. بل قد تكون سنوات من الفوضى والدمار..
ومن هنا تصبح الحكمة في إدارة العاصفة.. أهم من الصراخ في وجهها.. أو تحديها.. فليس مطلوباً من الطيار.. أن يعلن للركاب كل ما يراه في شاشة الرادار.. أو من نوافذ قمرة القيادة.. وليس مطلوباً من القيادة.. أن تكشف كل ما لديها من حسابات وأوراق.. فهناك معلومات تُقرأ.. واتجاهات تُرصد.. ومواقف تُبنى بهدوء.. ثم يأتي القرار في اللحظة.. التي يكون فيها القرار أكثر فائدة للوطن..
وقد يبدو الصمت أحياناً للبعض تردداً.. وقد يبدو التريث ضعفاً.. وقد يبدو الابتعاد عن بعض المواقف خروجاً عن المتوقع.. لكن من يجلس في قمرة القيادة.. يرى زاوية مختلفة تماماً.. عن تلك التي يراها الراكب من مقعده..
والأردن ليس جديداً على العواصف.. فقد مررنا بعواصف.. كان كثيرون يظنون أنها أكبر من قدرة هذا البلد على الاحتمال.. ورأينا دولاً كانت تبدو أقوى منا بمراحل.. عصفت بها الأحداث.. وأخذتها إلى أماكن لم تكن تتوقعها..
لكن الأردن عبر.. ليس لأنه كان أقوى من كل عاصفة.. وإنما لأنه عرف كيف يتعامل معها.. ومتى يقترب.. ومتى يبتعد.. ومتى يتحدث.. ومتى يكون الصمت أكثر بلاغة من الكلام..
والأهم من ذلك كله.. أن هناك شيئاً لا تملكه الطائرات وحدها.. ولا تملكه غرف القيادة.. وهو ثقة الركاب بمن يقودهم..
لقد كان قرب القيادة من المواطن.. وثقة المواطن بقيادته.. أحد أهم عناصر صمود الأردن عبر العقود.. فحين تهتز المنطقة من حولك.. يصبح تماسك الداخل هو الجناح الآخر للطائرة.. ولا تستطيع أقوى العواصف إسقاط طائرة متماسكة من الداخل بسهولة..
ولهذا.. فإن كل عاصفة يتجاوزها الأردن.. لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها حظاً.. أو مصادفة.. أو مجرد نجاة مؤقتة.. بل باعتبارها درساً جديداً في إدارة المخاطر.. وفي معرفة متى تستخدم القوة.. ومتى تستخدم السياسة.. ومتى يكون أفضل انتصار هو.. ألا تدخل المعركة أصلاً..
ولست ممن يعتقدون أن الأردن لا يخطئ.. فالنقد حق.. والتصويب ضرورة.. لكن بين النقد المسؤول.. وبين التشكيك في قدرة هذا الوطن على الصمود.. مسافة كبيرة.. وبين اختلافنا على قرار هنا.. أو موقف هناك.. وبين أن ننساق خلف من يتمنى للأردن.. أن يتهاوى مسافة أكبر..
الأردن سيبقى بإذن الله.. تلك الشوكة الفولاذية في عين وحلق كل متربص.. وكل من ينتظر فوضاه.. وكل من يراهن على سقوطه.. لأن هذا الوطن.. لم يصل إلى ما وصل إليه بالصوت العالي.. وإنما بالصبر.. وبالحكمة.. وبقيادة تعرف أن أخطر ما في العاصفة ليس صوتها.. وإنما الاتجاه الذي تأتي منه..
وهنا أعود إلى صورة الكابتن المخضرم يوسف الدعجة.. فالطائرة التي تصل إلى وجهتها سالمة.. لا تعني أن السماء كانت هادئة.. بل تعني.. أن من كان في قمرة القيادة.. كان يرى ما لم يره الآخرون.. وتصرف على أساس ما رأى.. لا على أساس ما أراد الآخرون أن يروه..
وهذه ببساطة.. إحدى حكايات الأردن مع العواصف.. نراها تمر من حولنا.. ونرى الوطن ما زال واقفاً.. لأن في قمرة القيادة.. من يعرف أن السلامة ليست جبناً.. وأن الحكمة ليست تراجعاً.. وأن الوصول بالوطن إلى بر الأمان.. هو أعظم انتصار..