الجاهات والعطوات بين العرف والتغيير
محمد مطلب المجالي
11-09-2026 11:44 PM
الجاهة والعطوة في مجتمعنا ليستا مجرد مراسم اجتماعية، بل هما جزء من منظومة عرفية لها مكانتها واحترامها، وتقوم في جوهرها على الإصلاح وحقن الدماء وحفظ الكرامة وإنهاء الخلافات بالتراضي. ولهذا فإن أي حديث عن تغيير أدوارهما ينبغي أن يكون متزنًا، بعيدًا عن الرغبة في كسر المألوف لمجرد التغيير.
ومن هنا يثار بين حين وآخر موضوع ترؤس المرأة للجاهات والعطوات، باعتباره صورة من صور المشاركة المجتمعية. ولا شك أن المرأة شريكة في المجتمع، ولها دور مهم في الإصلاح والتقريب بين الناس، وقد تمتلك من الحكمة وحسن التعامل ما يؤهلها للمساهمة في حل كثير من القضايا.
لكن المشاركة شيء، وترؤس الجاهة أو العطوة شيء آخر؛ فهذه المهمة لها خصوصيتها، وقد تتطلب في بعض القضايا حضورًا اجتماعيًا وعشائريًا وقدرة على التفاوض وتحمل المسؤولية، وهي أمور تختلف من قضية إلى أخرى، كما أن المجتمع اعتاد تاريخيًا أن يتولى هذه المهام رجال من أصحاب المكانة والوجاهة والخبرة.
وهناك جانب آخر لا يمكن تجاهله؛ فالجاهات والعطوات، رغم أنها تأتي طلبًا للصلح، قد تشهد أحيانًا لحظات توتر وانفعال، وقد يتعرض أفراد الجاهة لكلام قاسٍ أو إساءة لفظية، وفي حالات نادرة قد تتطور الأمور إلى اعتداء أو اشتباك. وهنا يصبح السؤال مشروعًا: إذا تعرضت امرأة تترأس جاهة إلى اعتداء أو ضرب أو كلام فاحش، فكيف يمكنها التعامل مع الموقف، وكيف تحافظ الجاهة على هيبتها وهدفها الإصلاحي؟
هذا السؤال لا ينتقص من المرأة ولا يشكك في قدرتها، وإنما يضع أمامنا طبيعة المهمة وظروفها الواقعية. فالمطلوب من رئيس الجاهة أن يكون قادرًا على ضبط الموقف، واحتواء الغضب، وحماية أفراد الجاهة، ومواصلة التفاوض حتى الوصول إلى الصلح.
والتطوير الاجتماعي مطلوب عندما تكون هناك حاجة إليه، لكنه لا يعني بالضرورة تجاوز كل ما تعارف عليه المجتمع. فالأعراف لا تُلغى بقرار، ولا تتغير بالشعارات، وإنما تتطور مع الزمن وبالحوار والاقتناع ومراعاة خصوصية المجتمع.
وللمرأة أدوار واسعة ومهمة في الإصلاح المجتمعي، ولا تحتاج إلى أن تتولى كل دور عرفي حتى تثبت حضورها ومكانتها. كما أن احترام العرف لا يعني إقصاء المرأة أو التقليل من شأنها.
وفي النهاية، الجاهة ليست مسابقة في كسر المألوف، ولا موقعًا لاستعراض التغيير؛ إنها مسؤولية ثقيلة غايتها الصلح وحفظ الكرامة. ومن أراد تطوير العرف فليطوّره بالحكمة، لا بالمواجهة مع ما استقر عليه المجتمع. فالمرأة محل احترام، والعرف محل احترام، والأصل أن نبحث عن صيغة تجمع الاثنين بدل أن نجعل أحدهما في مواجهة الآخر.