facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




التعداد السكاني .. حين تصبح الأرقام قراراً سيادياً


فيصل تايه
12-09-2026 11:08 AM

الذين ينظرون إلى التعداد السكاني باعتباره مجرد سؤال عن عدد سكان المملكة، يفوتهم جوهر المسألة. فالسؤال الحقيقي ليس: كم أصبح عدد السكان؟ بل: من هم؟ أين يعيشون؟ كيف تبدلت تركيبتهم الاجتماعية والاقتصادية؟ ماذا تغير في أوضاع الأسر والسكن والعمل والتعليم والصحة؟ وأين تتركز الحاجة الوطنية؟

فالدولة لا تستطيع أن تخطط لمجتمع لا تعرفه بدقة، ولا أن توزع مواردها بعدالة إذا كانت الصورة التي بين يديها قديمة أو ناقصة.

لهذا، فإن تعداد 2026 ليس مجرد تحديث لرقم سكاني، بل محاولة لأن ترى الدولة الأردن كما هو الآن، لا كما كان عليه في تعداد 2015، ولا كما رسمته تقديرات تراكمت على مدى سنوات.

أكثر من عقد مضى، وخلاله كبرت مدن، وتحركت أنماط السكن والعمل، تبدلت أحوال الأسر، تغيرت حركة السكان، واتسعت أو انكمشت احتياجات في مناطق دون أخرى. وما كان صالحًا للتخطيط بالأمس، قد لا يكون كافيًا لصناعة قرار الغد.

وهنا تحديدًا تظهر قيمة التعداد. فالرقم السكاني ليس رقمًا في دفتر؛ خلفه مدرسة ومستشفى وطريق ومشروع إسكان وفرصة عمل وقرار استثماري، بل خلفه سؤال العدالة في توزيع الموارد.

وحين تتغير الخريطة السكانية والديموغرافية، تتغير معها أولويات الدولة بالضرورة. لذلك، فإن السؤال عن كلفة التعداد لا ينبغي أن يبدأ من «كم أنفقنا؟»، بل من سؤال أكثر عمقًا: كم قد تكلفنا القرارات إذا بُنيت على معلومات لم تعد تعكس الواقع؟

نحو 24 مليون دينار هي الكلفة المعلنة للتعداد الحالي، مقابل نحو 30 مليونًا في تعداد 2015، فيما انخفض عدد المشاركين الميدانيين من قرابة 20 ألفًا إلى نحو 12 ألف مشارك، مع تغطية نحو مليون مبنى و24 ألف بلوك إحصائي.

وهذه الأرقام لا تكشف حجم العملية فقط، بل تكشف أيضًا تحولًا في فلسفة العمل الإحصائي نفسه؛ من الورقة إلى المنظومة الرقمية، ومن العدّ التقليدي إلى الخرائط والربط الإلكتروني وأدوات التحديد الجغرافي والتقنيات الحديثة.

لكن التكنولوجيا، مهما بلغت دقتها، لا تستطيع أن تعوّض الثقة.

وهنا لا يمكن تجاوز اللغط الذي رافق التعداد خلال الأيام الماضية، بعد تصريحات نُسبت إلى مدير عام دائرة الإحصاءات العامة، الدكتور حيدر فريحات، وأثارت نقاشًا واسعًا حول الغرامات، وإلزامية الإجابة، وآلية التعامل مع غياب المواطن عن منزله، إلى جانب هواجس الخصوصية.

ثم جاءت التوضيحات اللاحقة لتؤكد أن غياب المواطن أو عدم قدرته الفورية على الإجابة ليس موجبًا للغرامة، وأن إعادة الزيارة وتنظيم المواعيد جزء من العمل الميداني، مع التأكيد على سرية البيانات واحترام الإجراءات والخصوصية.

المسألة هنا تتجاوز التصريح ذاته إلى درس أكبر: المعلومة الرسمية في زمن المنصات لا تحتمل الاجتزاء. فالجملة المبتورة يمكن أن تصنع خوفًا، والعنوان المثير يمكن أن يسبق الحقيقة، وما بينهما تضيع الثقة التي يحتاجها أي مشروع وطني.

والتعداد، قبل أن يكون عملية لجمع البيانات، هو علاقة ثقة بين المواطن والدولة؛ كلما اتضحت فيها الرسالة، أصبح المواطن شريكًا في المعرفة لا طرفًا متوجسًا منها.

ومن هنا جاءت أهمية أن نذهب إلى المصدر، لا أن نبقى أسرى الصدى.

زيارة وفد «ملتقى النخبة – Elite» إلى دائرة الإحصاءات العامة لم تكن زيارة بروتوكولية، ولا بحثًا عن صورة، ولا محاولة للدفاع عن موقف مسبق. ذهبنا لنسمع، ونسأل، ونناقش ما يدور في الشارع، ونضع الأسئلة أمام المسؤول مباشرة، ثم ننقل الصورة كما هي. والتقينا مدير عام الدائرة، واستمعنا إلى التفاصيل والاستعدادات والتحديات، وإلى توضيحاته بشأن الجدل الذي رافق التعداد.

وفي تقديري، هذه هي وظيفة النخب والإعلام حين يتعلق الأمر بالشأن العام: ألا تصفق للمؤسسة، وألا تحاكمها مسبقًا؛ بل تذهب إليها، وتسألها. فالحوار المباشر لا يلغي النقد، لكنه يجعل النقد أكثر عدلًا، وأكثر مسؤولية، وأقرب إلى الحقيقة.

ويبقى السؤال الذي يتردد كثيرًا: إذا كانت الدولة تمتلك أصلًا سجلات الأحوال المدنية والتعليم والصحة والعمل والضرائب وغيرها، فلماذا تحتاج إلى تعداد ميداني شامل؟

الإجابة في غاية البساطة: لأن امتلاك السجلات لا يعني امتلاك الصورة الكاملة.

كل سجل يرى جانبًا من المجتمع وفق وظيفته، بينما يحاول التعداد أن يجمع هذه الصورة في نقطة زمنية واحدة، وأن يختبرها على الأرض. فقد يكون عنوان المواطن في مكان وإقامته الفعلية في مكان آخر، وقد تتغير ظروف الأسرة والعمل والسكن بوتيرة أسرع من تحديث أي سجل منفرد.

لذلك فالتعداد ليس تكرارًا لما تعرفه الدولة، بقدر ما هو اختبار لما تعتقد أنها تعرفه.

ومن هنا يصبح تعداد 2026 أقرب إلى إعادة معايرة للصورة الوطنية. فإذا جاءت نتائجه منسجمة مع التقديرات، منحها مزيدًا من الثقة.

وإذا جاءت مختلفة، فلا ينبغي أن يُنظر إلى الاختلاف باعتباره إخفاقًا؛ فالرقم القديم ليس حقيقة مقدسة، والدولة التي تحترم المعرفة هي التي تملك شجاعة تصحيح أرقامها عندما يكشف الواقع رقمًا أدق.

لكن الاختبار الحقيقي لن يكون يوم إعلان النتائج، بل في اليوم الذي يلي الإعلان.

ماذا ستفعل الحكومة بهذه المعرفة؟ هل ستعيد ترتيب بعض أولويات الإنفاق؟ هل ستراجع خرائط التعليم والصحة والنقل والإسكان والاستثمار وفق الخريطة الجديدة؟ هل ستصل الموارد بصورة أدق إلى المناطق الأكثر حاجة؟ وهل ستصبح البيانات أساسًا للقرار، أم تنتهي بعد نشرها إلى جداول وتقارير تحفظ في الأرشيف؟

هنا يتحدد المعنى الحقيقي للتعداد.

أن ينتهي التعداد بإعلان رقم، فهذه عملية إحصائية. أما أن يتحول الرقم إلى سياسات أكثر واقعية، وموارد أكثر عدالة، وتخطيط أكثر دقة، فذلك هو مشروع الدولة.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحًا أمام صانع القرار ليس: كم أصبح عدد سكان الأردن؟

بل: أيّ أردن سنبني بعد أن عرفنا، بالأرقام، الأردن الذي نعيش فيه اليوم؟

فالدول لا تزداد قوة لأنها تعرف عدد سكانها فقط، وإنما لأنها تفهم مجتمعها، وتقرأ تحولاته، وتمتلك الشجاعة لتراجع صورتها عنه كلما تغير الواقع.

وعندها فقط.. تصبح الأرقام قراراً سيادياً.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :