بناء علاقة صحية مع الذكاء الإصطناعي في المنظمات
د. جهاد يونس القديمات
12-09-2026 02:07 PM
تستخدم منظمات كثيرة الذكاء الاصطناعي اليوم في الكتابة والتحليل والبحث وخدمة العملاء والبرمجة وغيرها من الأعمال، لكن استخدام التقنية لا يعني بالضرورة أن المنظمة تعرف كيف تتعامل معها بصورة صحيحة، فهناك فرق بين منظمة تشتري الأدوات وتتيح للموظفين استخدامها، ومنظمة تفهم موقع الذكاء الاصطناعي في منظومة العمل، وتعرف أين يمكن أن يضيف قيمة حقيقية، وأين يجب أن تتوقف قدرته وتبدأ مسؤولية الإنسان، لأن القضية في جوهرها لا تتعلق بعدد الأدوات المستخدمة، وإنما بما تفعله هذه الأدوات في طريقة التفكير والعمل واتخاذ القرار والثقافة التنظيمية.
دخل الذكاء الاصطناعي إلى بيئة العمل بسرعة أكبر من قدرة كثير من المنظمات على تطوير السياسات والثقافة التي تنظم استخدامه، وأصبح الموظف يستطيع خلال دقائق تلخيص تقرير طويل، وإعداد مسودة رسالة وتحليل معلومات واقتراح أفكار، والبحث داخل كميات كبيرة من الوثائق، كما أصبحت فرق التسويق تستخدمه في إعداد المحتوى وتطوير الأفكار، وخدمة العملاء في تلخيص المحادثات واقتراح الردود، والمبرمجون في كتابة الأكواد ومراجعتها، والموارد البشرية في تنظيم المعلومات ودعم بعض مراحل العمل، وهو تحول يختصر كثيرا من الوقت، لكنه في الوقت نفسه يغير طبيعة العمل نفسه.
يظهر أثر الذكاء الاصطناعي بوضوح عندما نلاحظ أن سهولة الحصول على الإجابة قد تقلل مع الوقت من الحاجة إلى البحث والتحليل والتجربة، فالاعتماد المستمر على إجابات جاهزة قد يجعل الأداة تنتقل تدريجيا من وسيلة تساعد الموظف على التفكير إلى وسيلة يفكر من خلالها، وهنا تظهر المشكلة الحقيقية، لأن المنظمة قد تكسب سرعة في إنجاز المهام، لكنها تخسر شيئا من الخبرة والقدرة على التفكير إذا أصبح الاعتماد على التقنية بديلا عن تطوير المهارات.
تبدأ العلاقة الصحية مع الذكاء الاصطناعي من الوعي قبل الاستخدام، فالمنظمة لا تحتاج فقط إلى تدريب الموظفين على تشغيل الأدوات، وإنما تحتاج إلى تعليمهم كيف يعملون معها، وكيف يحددون المشكلة، ويقدمون السياق ويطلبون البدائل والمقارنات، ثم يراجعون النتائج ويتحققون منها، لأن المخرجات التي تبدو دقيقة ومقنعة ليست بالضرورة صحيحة، ولأن جودة النتيجة لا تعتمد على الأداة وحدها، وإنما تتأثر أيضا بقدرة المستخدم على فهم المهمة وتحديد المطلوب والحكم على ما يحصل عليه.
يستخدم الموظف ChatGPT مثلا في إعداد تقرير، لكن النص الذي يحصل عليه لا ينبغي أن يتحول مباشرة إلى التقرير النهائي، بل يحتاج إلى مراجعة في ضوء معلومات المنظمة وأهدافها وواقعها والجمهور الذي سيقرأه، وينطبق الأمر نفسه على الصحفي أو الاعلامي الذي يستطيع استخدام الذكاء الاصطناعي في تفريغ المقابلات وتلخيص الوثائق، وتنظيم المعلومات ومقارنة البيانات، واقتراح زوايا جديدة للموضوع وإعداد مسودة أولية تساعده في بناء المادة الصحفية، لكن ذلك لا يلغي دوره في التحقق من المصادر والأسماء والأرقام والتواريخ والسياق، لأن المسؤولية المهنية عن المادة المنشورة تبقى لدى الصحفي، ولا يمكن نقلها إلى الأداة مهما بلغت قدرتها.
تتطلب هذه المرحلة مهارة جديدة في العمل، تتمثل في القدرة على الحوار الجيد مع الذكاء الاصطناعي، ليس بمعنى معرفة الأوامر فقط، وإنما القدرة على شرح المشكلة وتقديم السياق وتحديد المطلوب، ثم استخدام المخرجات كنقطة بداية للتحليل والمراجعة والتطوير، وبذلك تتحول التقنية إلى امتداد للخبرة بدلا من أن تكون بديلا عنها، ويصبح استخدامها جزءا من مهارة العمل الحديثة التي تجمع بين المعرفة المهنية والقدرة التقنية والحكم البشري.
يظهر خطر آخر مع استمرار الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، ويتمثل في تراجع بعض المهارات التي كانت تتكون من خلال الممارسة اليومية، فالذي يطلب من الأداة أن تبحث وتحلل وتكتب وتقترح في كل مرة قد يصبح أسرع في إنجاز المهمة، لكنه قد يفقد تدريجيا جزءا من قدرته على القيام بها بنفسه، ومع مرور الوقت قد تجد المنظمة أنها أصبحت تعتمد على الأدوات أكثر مما تعتمد على الخبرة الموجودة داخلها، وهنا تتحول مكاسب السرعة إلى خسارة غير ظاهرة في رأس المال المعرفي.
يرتبط استخدام الذكاء الاصطناعي لذلك بالتعلم والتطوير، فلا ينبغي أن يكون الهدف الوحيد هو إنجاز المهمة في وقت أقل، وإنما استثمار الوقت الذي وفرته التقنية في بناء المعرفة وتحسين المهارات وتطوير الأداء، فالمنظمة التي تستخدم الذكاء الاصطناعي بصورة ناضجة لا تسأل فقط عن مقدار الوقت الذي تم توفيره، بل تنظر أيضا إلى ما الذي حدث لهذا الوقت بعد توفيره، وهل تحول إلى تعلم وتحسين وابتكار، أم تحول إلى اعتماد أكبر على الأداة.
تختلف درجة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي باختلاف طبيعة العمل وحساسية القرار، فما يمكن استخدامه بسهولة في كتابة بريد إلكتروني أو تلخيص وثيقة لا يمكن التعامل معه بالطريقة نفسها عند تحليل مالي أو تقييم موظف أو تفسير قانوني، أو التعامل مع معلومات استراتيجية وحساسة، ولذلك تحتاج المنظمة إلى تحديد مستويات واضحة للاستخدام والمراجعة، بحيث ترتفع درجة التدقيق كلما ارتفعت حساسية المهمة وتأثيرها في الأشخاص أو المال أو السمعة أو القرارات المهمة.
تستطيع الموارد البشرية مثلا استخدام الذكاء الاصطناعي في ترتيب السير الذاتية ودعم بعض مراحل اختيار المرشحين، لكن القرار النهائي يحتاج إلى مراجعة بشرية تفهم السياق والمعايير وتنتبه إلى احتمالات التحيز، كما يمكن استخدام التقنية في تحليل البيانات المالية أو مراجعة المعلومات القانونية، لكن ارتفاع حساسية القرار يرفع معه مستوى المراجعة والتحقق، لأن توفير الوقت لا ينبغي أن يأتي على حساب جودة القرار أو عدالته أو سلامته.
يبقى القرار في النهاية مسؤولية بشرية، فالذكاء الاصطناعي يستطيع تحليل كميات كبيرة من البيانات، واكتشاف الأنماط واقتراح البدائل والسيناريوهات، لكنه لا يتحمل وحده مسؤولية ما يترتب على القرار، ولا يملك دائما كل تفاصيل السياق التنظيمي الذي تتحرك فيه المنظمة، ولذلك فإن الاستخدام الأفضل له هو أن يساعد المدير على رؤية خيارات أكثر وفهم المعلومات بصورة أوسع، واختبار بعض الفرضيات، دون أن يتنازل عن الحكم المهني أو المسؤولية عن النتيجة.
تحتاج العلاقة الصحية كذلك إلى قواعد واضحة تحمي البيانات والخصوصية، لأن استخدام الذكاء الاصطناعي قد يتضمن معلومات عن العملاء والموظفين والعقود والخطط المستقبلية، ولذلك تحتاج المنظمة إلى معرفة الأدوات المسموح باستخدامها، ونوع البيانات التي يمكن إدخالها، ومن يستطيع الوصول إليها، ومتى تحتاج المخرجات إلى مراجعة بشرية، ومن يتحمل المسؤولية عنها، حتى لا تتحول سهولة استخدام التقنية إلى مصدر لمخاطر تتعلق بالبيانات أو الخصوصية أو سمعة المنظمة.
يتطلب الاستثمار الحقيقي في الذكاء الاصطناعي فهما للمشكلة قبل اختيار الأداة ثم تدريبا للموظفين، وإعادة النظر في طريقة العمل وقياسا للنتائج، لأن امتلاك عشرات الأدوات دون تغيير حقيقي في طريقة العمل قد يصنع نشاطا تقنيا كبيرا دون قيمة حقيقية، بينما يمكن لمنظمة تستخدم عددا محدودا من الأدوات بطريقة واضحة ومدروسة أن تحقق نتائج أكبر في توفير الوقت، وتحسين جودة العمل، وتطوير الموظفين، ودعم القرار، وبناء المعرفة.
تتحدد العلاقة الصحية مع الذكاء الاصطناعي في وضع التقنية داخل المكان الصحيح، فلا يكون الهدف استخدامها أقل وإنما استخدامها بصورة أذكى، بحيث تساعد في الوصول إلى المعلومات بصورة أسرع، ورؤية الخيارات بصورة أوسع وإنجاز الأعمال بكفاءة أكبر، دون أن تسحب من الموظف قدرته على التفكير أو من المدير مسؤوليته عن القرار، ودون أن تتحول سهولة الاستخدام إلى اعتماد يجعل المنظمة أقل قدرة على العمل عندما تغيب الأداة.
يحتاج عصر الذكاء الاصطناعي إلى موظف يصبح أقوى بفضل التقنية لا أكثر اعتمادا عليها، وإلى مدير يستخدمها ليرى بصورة أوسع ويقرر بصورة أفضل، وإلى منظمة تقيس نجاحها بالقيمة التي تضيفها التقنية إلى الإنسان والعمل والقرار، لا بعدد الأدوات التي تستخدمها، فالنجاح الحقيقي لن يكون في أن نجعل الآلة تفكر بدلا من الإنسان، وإنما في أن نجعل الإنسان يفكر بصورة أفضل، ويعمل بصورة أقوى، ويتخذ قرارات أكثر وعيا بفضل الآلة.