النخب السياسية .. صناعة وطنية أم إعادة تدوير؟
محمد مطلب المجالي
12-09-2026 07:44 PM
في الدول التي تحترم مستقبلها، لا تُترك صناعة النخب السياسية للصدفة، ولا تُدار بمنطق: هذا نعرفه، وهذا سبق أن جرّبناه، وهذا له حضوره. فالنخبة السياسية ليست مجرد أسماء تتبدل مواقعها، ولا وجوهًا تتنقل بين الكراسي؛ إنها عقل الدولة وذاكرة المجتمع وجسر المستقبل.
لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح بصراحة: هل نصنع نخبًا سياسية جديدة، أم أننا نجيد إعادة تدوير النخب القديمة؟
لدينا أحزاب يفترض أن تكون حاضنات للقيادات، ومدارس لتأهيل الشباب، ومختبرات للأفكار والبرامج. لكن بعض هذه الحاضنات تبدو وكأنها أصبحت بحاجة إلى حاضنة أخرى! تتحدث عن التجديد، بينما تعيد إنتاج الوجوه ذاتها، وعن تمكين الشباب، بينما يظل الشباب في الصفوف الخلفية، مهمتهم التصفيق وانتظار الدور.
والحزب الذي لا ينتج قيادات جديدة، ولا يقدم برنامجًا يقنع المواطن، ولا يفتح أبوابه للكفاءات، يتحول مع الوقت من مدرسة سياسية إلى غرفة انتظار طويلة؛ يدخلها الشباب بحماس، ويخرجون منها بعد أن يكتشفوا أن الدور لم يأتِ بعد.
المشكلة ليست في القيادات القديمة، فالخبرة قيمة وطنية لا يجوز التفريط بها، لكن المشكلة عندما تتحول الخبرة إلى احتكار للمشهد، وعندما يصبح الطريق إلى الصف الأول مغلقًا أمام الوجوه الجديدة والكفاءات القادرة على تقديم شيء مختلف.
نحن بحاجة إلى نخبة سياسية تعرف الدولة قبل أن تعرف المنصب، وتفهم المجتمع قبل أن تفكر في الانتخابات، وتدرك أن السياسة مسؤولية وليست موسمًا للظهور. نحتاج إلى سياسي يستطيع أن يقول: «أخطأت» عندما يخطئ، و«لا أعرف» عندما لا يعرف، و«المصلحة الوطنية أولًا» عندما تتعارض مصلحته مع مصلحة الوطن.
وعلى الأحزاب أن تسأل نفسها بجدية: إذا لم تستطع صناعة قيادات جديدة، فمن سيقودها غدًا؟
لا يمكن أن ندخل المئوية الثانية بعقلية سياسية قديمة، ولا أن نبني المستقبل بأدوات استُهلكت حتى آخر قطرة. المطلوب ليس تغيير الأسماء لمجرد التغيير، بل تغيير طريقة صناعة النخبة نفسها: اختيارًا وتأهيلًا وممارسة ومحاسبة.
السياسة ليست ألبوم صور، ولا الكرسي شهادة تفوق، ولا كثرة الظهور دليلًا على الحضور. ومن يريد أن يكون جزءًا من النخبة السياسية عليه أن يقدم أكثر من الكلام؛ فالوطن لا يحتاج إلى مزيد من المتحدثين باسمه، بقدر ما يحتاج إلى من يعملون من أجله.
أما إعادة التدوير، فقد تكون مفيدة في بعض المجالات، لكنها ليست وصفة لصناعة المستقبل السياسي. فالمستقبل لا يُبنى بوجوه جديدة فقط، وإنما بعقول جديدة، وأفكار جديدة، ومعايير جديدة للاختيار.
وإذا بقيت الأحزاب حاضنات بالية، تستهلك ذاتها وتعيد إنتاج ذاتها، فلا ينبغي أن نستغرب إذا بقيت النخبة السياسية تدور في الحلقة نفسها، بينما ينتظر الوطن من يفتح له طريقًا جديدًا.
مصلحة الوطن فوق كل اعتبار... وحمى الله الوطن.