السردية الأردنية والسردية اللبنانية
فيصل تايه
13-09-2026 08:46 AM
أن تتطلع وزيرة التربية والتعليم اللبنانية اثناء زيارتها الأخيره للاردن إلى الاستفادة من التجربة الأردنية في تطوير السردية الوطنية، فذلك يتجاوز التعاون التربوي وتبادل الخبرات بين بلدين شقيقين. فخلف هذه الرغبة سؤال أكبر يتصل بعلاقة الدولة بذاكرتها، وبقدرتها على تحويل التاريخ من وقائع محفوظة إلى معرفة حية تصل الماضي بالحاضر، وتمنح الأجيال الجديدة فهماً أعمق للمكان الذي تنتمي إليه.
السردية الوطنية ليست قائمة بالأحداث التي نختار أن نتذكرها، ولا انتقاءً لصفحات مريحة من التاريخ وترك ما عداها. إنها الطريقة التي نفهم بها أنفسنا ومسارنا، ونقرأ من خلالها علاقتنا بالمكان، ونحدد ما الذي نريد أن يبقى من تجربتنا حاضراً في وعي الأجيال القادمة.
والأردن لا يبحث عن تاريخ يمنح حاضره معنى؛ فتاريخه حاضر في الأرض، وفي آثار الحضارات المتعاقبة، وفي الذاكرة الاجتماعية، وفي مسيرة الدولة الحديثة. لكن وجود التاريخ لا يعني بالضرورة وجود وعي تاريخي به. فقد تكون الوقائع موزعة بين المواقع والكتب والأرشيف والروايات الشفوية، من دون أن يجمعها سياق يستطيع الإنسان المعاصر من خلاله أن يرى نفسه في صورة واحدة.
ومن هنا تأتي أهمية التجربة الأردنية في إعادة قراءة «حكاية الأرض والإنسان» ضمن سياق وطني متصل، يجمع طبقات التاريخ المختلفة ويستند إلى البحث والتوثيق، بحيث لا يبقى الماضي مادة للحفظ، بل يتحول إلى معرفة تفسر الحاضر.
لكن لبنان يدخل إلى هذه المسألة من باب مختلف.
فالمشكلة اللبنانية ليست نقصاً في الذاكرة، وإنما فائضاً فيها. تاريخ طويل، وتنوع ديني وثقافي ومناطقي، وتجارب سياسية وحروب وانقسامات، تركت وراءها روايات متعددة للماضي. لكل جماعة ذاكرتها، ولكل منطقة حكايتها.
ولهذا فإن التحدي اللبناني ليس أن يجد ذاكرة، بل أن يجد المساحة الوطنية التي تستوعب هذه الذاكرات من دون أن تتحول إلى جزر منفصلة.
وهنا تصبح الاستفادة من التجربة الأردنية مهمة، لا بوصفها نموذجاً جاهزاً للاستنساخ، وإنما بوصفها تجربة في بناء الذاكرة الوطنية. فلكل بلد حكايته، لكن السؤال الذي يجمعهما واحد: كيف تتحول الحكايات المتعددة إلى معرفة مشتركة يستطيع أبناء الوطن أن يلتقوا عندها، حتى عندما يختلفون في تفسير بعض تفاصيل الماضي؟
وربما يكون اختلاف التجربتين هو مصدر الفائدة الأكبر بينهما. فالأردن يعمل على وصل طبقات تاريخية متعاقبة ضمن سياق وطني أكثر وضوحاً، بينما يحتاج لبنان إلى إدارة تعدد الذاكرات داخل مساحة وطنية واحدة.
وفي الحالتين، لا تكون السردية القوية هي التي تخفي ما يربكها، بل التي تمتلك الشجاعة والمعرفة لفهمه ووضعه في سياقه. فالدولة الواثقة من تاريخها لا تحتاج إلى تاريخ بلا تعقيد. المطلوب أن نعرف الماضي كما كان، لا كما نحب أن يكون، وأن نميز بين ما تؤكده الوثيقة، وما تحفظه الذاكرة، وما يزال موضع بحث ونقاش.
ومن هنا يصبح التوثيق جزءاً أساسياً من بناء الوعي الوطني. فالذاكرة التي لا تستند إلى البحث والوثيقة تبقى عرضة للتبدل، أما حين تقوم على معرفة علمية متراكمة فإنها تصبح مرجعاً عاماً يستطيع المجتمع العودة إليه كلما تعددت الروايات وتضاربت التأويلات.
ومن هنا أيضاً تأتي التربية. فالمدرسة ليست مكاناً لتلقين الطالب أسماء الأحداث والسنوات فقط، بل إحدى البيئات الأولى التي يتشكل فيها جوابه عن سؤال: من نحن؟
ولهذا لا ينبغي أن تتحول السردية الوطنية في التعليم إلى مادة إضافية للحفظ، بل إلى إطار يساعد الطالب على فهم المكان الذي يعيش فيه، والتاريخ الذي جعل حاضره ممكناً. فهناك فرق بين أن يعرف الإنسان تاريخ بلده وأن يفهمه؛ المعرفة تمنحه معلومات، أما الفهم فيمنحه سياقاً يستطيع أن يبني عليه موقفه من حاضره ومستقبله.
وتزداد أهمية ذلك في زمن الفضاء الرقمي والذكاء الاصطناعي، حيث تختلط الوثيقة بالمعلومة المبتورة، والحقيقة بالمحتوى المصنوع، وتنتشر الروايات غير الدقيقة بسرعة تفوق أحياناً قدرة المؤسسات على تصحيحها. والتاريخ الذي لا نوفره نحن للأجيال المقبلة، موثقاً ومتاحاً ومفهوماً، قد يجد الآخرون طريقاً إلى روايته نيابة عنا.
لكن السردية لا تنجح إذا بقيت صوتاً رسمياً يتحدث من أعلى. الدولة تستطيع أن تحمي الأرشيف، وتنظم المعرفة، وتدعم الباحثين، لكنها تحتاج إلى المجتمع كي تمنح الذاكرة حياتها. وحين يجد المواطن قصة مدينته ومنطقته وأسرته ومهنته داخل الصورة الوطنية الكبرى، يشعر بأن التاريخ الذي يقرأه هو تاريخه أيضاً.
وهنا يمكن للتعاون الأردني اللبناني أن يذهب أبعد من تبادل الخبرات. فالأردن يقدم تجربة في جمع عناصر الذاكرة الوطنية ضمن مشروع يربط الأرض بالإنسان، ولبنان يقدم تجربة مختلفة في التعامل مع تعدد الذاكرات وتجاور الروايات. وليس المطلوب أن يصبح أحدهما نسخة من الآخر، بل أن يتعلم كل بلد من تجربة الآخر ما يساعده على الإجابة عن سؤاله الخاص.
والسؤال الأهم ربما هو: كيف نبني سردية تمنح الوطن وحدته من دون أن تطلب من أبنائه أن يتشابهوا؟
فالسردية الوطنية الناضجة لا تبحث عن إجماع مصطنع حول كل تفاصيل الماضي، وإنما عن أرضية مشتركة تجعل الاختلاف ممكناً من داخل الانتماء، لا على حسابه. وحين يصبح التاريخ معرفة مشتركة، يمكن أن تختلف قراءاته من دون أن تتحول كل قراءة إلى هوية مغلقة.
في النهاية، لا تقاس قوة السردية الوطنية بعدد الكتب التي توثقها، وإنما بقدرتها على أن تعيش في وعي الأجيال. فالتاريخ الذي يُفهم يصبح جزءاً من الحاضر، والذاكرة التي تتسع لأبنائها تصبح جسراً بينهم، والوطن الذي يعرف قصته يكون أقدر على اختيار طريقه.
ولعل أجمل ما يمكن أن يخرج به الحوار الأردني اللبناني أن السردية ليست رواية تُكتب مرة واحدة ثم تُغلق، بل مسؤولية تجاه المستقبل: أن نترك لمن يأتي بعدنا وطناً يعرف من أين جاء، من غير أن نحبسه في ما كان، ويملك من المعرفة ما يكفي لكي يكتب، بوعيه هو، الفصل الذي لم نكتبه بعد.