facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




المشاجرات العشائرية .. من يشعل النار ومن يدفع الثمن؟


محمد مطلب المجالي
13-09-2026 09:06 AM

لم تعد المشاجرات العشائرية مجرد خلاف عابر ينتهي بانتهاء لحظة الغضب، بل أصبحت في بعض الحالات جرحًا مفتوحًا في جسد المجتمع، يبدأ بكلمة أو مشادة صغيرة، ثم سرعان ما يتحول إلى تجمعات واحتشاد وتبادل للاتهامات، وقد ينتهي بإصابات وضحايا وتعطيل للمصالح وتمزيق لعلاقات اجتماعية بُنيت عبر عقود.

والسؤال الذي يجب أن يُطرح بجدية: من يقف خلف هذه المشاجرات؟ ومن يؤججها؟ ولماذا يتحول خلاف فردي إلى قضية عشائرية يدفع ثمنها الجميع؟

الحقيقة أن كثيرًا من هذه النزاعات لا تحتاج إلى أكثر من شرارة، لكن الشرارة وحدها لا تكفي لإشعال الحريق؛ فهناك احتقان اجتماعي واقتصادي، وبطالة، وضيق في فرص العمل، وتراجع في مستوى المعيشة، وشعور لدى بعض الشباب بأن الأبواب مغلقة أمامهم، فيصبح أي احتكاك قابلًا للتحول إلى مواجهة أكبر من أسبابه الحقيقية.

وهنا تظهر المشكلة الأخطر: عندما يتدخل بعض المحرضين، فينفخون في نار الخلاف بدل إطفائها. كلمة هنا، ومنشور هناك، واتصال يعبئ النفوس، وشائعة تضخم الحادثة، ثم يتحول الخلاف من شأن فردي إلى معركة كرامة وهمية، وكأن العقل يصبح أول ضحاياها.

العشيرة في الأصل ليست مشروع خصومة، ولا عنوانًا للفوضى، بل مكوّن اجتماعي له مكانته ودوره في حماية السلم الأهلي وإسناد الدولة والقانون. أما استخدام اسم العشيرة لتبرير الاعتداء أو التهديد أو الانتقام، فهو إساءة للعشيرة قبل أن يكون إساءة للآخرين.

والأخطر أن بعض الشباب يُدفعون إلى واجهة المواجهة، بينما يبقى أصحاب الخطاب التحريضي في الخلف. يدفع الشاب الثمن من مستقبله، وقد يفقد عمله أو دراسته أو حريته، وقد تصل الأمور إلى فقدان حياة لا تعود، بينما يكتفي المحرض بعد ذلك بعبارة باردة: «الأمور خرجت عن السيطرة».

أي سيطرة هذه التي نتحدث عنها، إذا كان ثمنها دمًا وقطيعة بين أبناء المجتمع؟

ثم تأتي الفاتورة الاقتصادية والاجتماعية. فالمشاجرة لا تنتهي عند سقوط المصاب أو وقوع الضحية؛ فقد تترتب عليها خسائر في الممتلكات، وتعطيل للمحال والأعمال، وإغلاق للطرق، وتوتر في المدارس والجامعات وأماكن العمل، وتكاليف أمنية وقضائية وطبية، فضلًا عن سنوات من القطيعة بين عائلات كانت بالأمس تتزاور وتتشارك الأفراح والأتراح.

وقد يكون السبب الحقيقي في بعض الحالات خلافًا على موقف سيارة، أو مشادة بين شابين، أو منشور على مواقع التواصل الاجتماعي، أو خلافًا ماليًا محدودًا. لكن ماكينة التأويل العشائري قادرة على تحويل «موقف» إلى «قضية»، والقضية إلى «كرامة»، والكرامة إلى مواجهة، ثم يبدأ الجميع بالبحث عن مخرج بعد أن تكون الخسائر قد وقعت.

وهنا لا بد من التفريق بين العشائرية الإيجابية التي تقوم على النخوة والإصلاح وجبر الخواطر وحماية السلم الاجتماعي، وبين العصبية التي تجعل الإنسان ينصر قريبه ظالمًا أو مظلومًا، ويعتبر التراجع عن الخطأ ضعفًا، والاعتذار عيبًا، والاحتكام إلى القانون انتقاصًا من مكانة العشيرة.

المجتمع الذي يخاف من كلمة «اعتذر» أكثر مما يخاف من نتائج الجريمة، يحتاج إلى مراجعة حقيقية لمفاهيمه.

كما أن المسؤولية لا تقع على الشباب وحدهم. هناك مسؤولية الأسرة، والوجهاء، والشيوخ، والمؤسسات التعليمية، والإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي، وكل شخص يملك قدرة على التأثير في الناس. فالوجهاء الحقيقيون ليسوا من يجمعون الناس بعد وقوع المصيبة، وإنما من يمنعون وقوعها أصلًا.

والإعلام كذلك مطالب بأن يتعامل مع هذه الأحداث بمسؤولية، لا أن يحول المشاجرات إلى مادة للإثارة أو سباق في نشر التفاصيل غير المؤكدة، لأن الخبر غير المسؤول قد يصبح جزءًا من المشكلة بدل أن يكون جزءًا من الحل.

أما الدولة، فعليها أن تكون حازمة وعادلة في تطبيق القانون، لأن هيبة القانون لا تعني إضعاف العشيرة، بل تحمي العشيرة والمجتمع معًا. وحين يشعر المواطن أن القانون عادل ويطبق على الجميع، تتراجع الحاجة إلى منطق «نحن وهم»، ويعود الخلاف إلى حجمه الطبيعي.

نحن بحاجة إلى معالجة جذور المشكلة لا مطاردة نتائجها فقط؛ بحاجة إلى فرص عمل للشباب، وعدالة في الوصول إلى الفرص، وتعزيز دور المؤسسات التعليمية والثقافية، وفتح مساحات للحوار، ودعم لجان الإصلاح والوجهاء القادرين على احتواء الخلافات قبل انفجارها.

فالوقاية من المشاجرة أرخص بكثير من علاج آثارها، وإصلاح العلاقة بين عائلتين أفضل من عشرات الجلسات التي تأتي بعد وقوع الدم.

لقد آن الأوان أن نسأل بصراحة: من المستفيد من إشعال الخلافات بين أبناء المجتمع الواحد؟ ومن الذي يربح عندما يخسر الوطن أبناءه؟

لا أحد ينتصر في المشاجرة العشائرية. قد يخرج طرف وهو يظن أنه انتصر، لكن الحقيقة أن الجميع يخسرون: يخسر الشاب مستقبله، وتخسر الأسرة أمنها، وتخسر العشيرة صورتها، ويخسر المجتمع تماسكه، وتتحمل الدولة أعباء إضافية، ويخسر الوطن جزءًا من نسيجه الاجتماعي.

العشيرة سند للمجتمع عندما تكون عنوانًا للإصلاح، لكنها تصبح عبئًا على الجميع عندما تتحول إلى غطاء للعصبية والانتقام.

فلنطفئ النار قبل أن تصل إلى البيوت، ولنضع العقل قبل العصبية، والقانون قبل ردود الفعل، والإصلاح قبل الانتقام. فالوطن الذي يجمعنا أكبر من خلاف عابر، والدم الأردني أغلى من أن يكون ثمنًا لكلمة قيلت في لحظة غضب.

مصلحة الوطن فوق كل اعتبار... وحمى الله الوطن.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :