بين من يملك خطاب فلسطين… ومن يتحمّل كلفتها
النقاط الرئيسية
* فلسطين لا تصبح ملكاً سياسياً لمن يموّل فصيلاً: دعم السلاح حقيقة، لكنه لا يمنح أي دولة حق احتكار القضية أو التحدث باسم الشعب الفلسطيني كله.
* المعيار ليس ما أُطلق باسم فلسطين، بل ما بقي للفلسطيني بعدها: كم إنساناً حُمي؟ وكم عائلة بقيت فوق أرضها؟ وهل اقتربت الدولة الفلسطينية أم اتسعت المقابر والانقسامات؟
* اليرموك والعراق يكشفان الفجوة بين الشعار والنتيجة: عندما يخدم الفلسطيني خطاب «المحور» يحضر بطلاً؛ وعندما يُحاصر أو يُهجّر داخل ساحاته يغيب عن الرواية.
* المقارنة ليست بين الأردن وإيران في ارتفاع الصوت، بل في نوع الفعل: إيران دعمت القدرة العسكرية لفصائل، بينما حمل الأردن الإنسان الفلسطيني لاجئاً ومريضاً وطالباً وهويةً وحقاً سياسياً.
* عام 2026 أسقط حجة الصواريخ العابرة: عندما أصبحت مواقع داخل الأردن هدفاً، لم يعد الدفاع عن الأجواء موقفاً قابلاً للمساومة، بل واجباً سيادياً.
* اعتراض الصاروخ لا يعني الدفاع عن وجهته: كل جسم عسكري يدخل سماء الأردن دون إذن هو تهديد للأردن، سواء أطلقته إيران أو إسرائيل أو غيرهما.
* أخطر الدعاية ليست الكذبة الكاملة، بل الحقيقة المبتورة: يكفي حذف عبارة «دخل المجال الجوي دون إذن» حتى يتحول الدفاع عن السيادة إلى خيانة.
* التوازن الأردني ليس حياداً بين الاحتلال والضحية: إنه انحياز ثابت لفلسطين، يقابله رفض ثابت لتحويل الأردن إلى ممر عسكري أو ساحة لحروب الآخرين.
* الأردن لا يختار بين فلسطين وسيادته: لأنه يدرك أن حماية الأردن شرط لبقاء السند الأقرب والأكثر ثباتاً لفلسطين.
المقال:
كنت أسمع أينما أذهب أن إيران هي المدافع الحقيقي عن فلسطين، وأن الأردن يقف في المكان الخطأ.
كنت أسمع أن الصاروخ الإيراني مقاومة، وأن اعتراضه خيانة؛ وأن ارتفاع الصوت بطولة، أما حماية الدولة ومنع الحرب وحساب النتائج فضعف أو تردد.
ومع كثرة التكرار، تتحول العبارة إلى «حقيقة شعبية»، حتى لو لم تمر يوماً على ميزان التاريخ أو الرقم أو النتيجة.
وهنا تبدأ المشكلة.
ليست المشكلة في اختلاف المواقف السياسية، بل في قدرة الرواية المتكررة على إحلال الانفعال مكان المعرفة، والشعار مكان الرقم، وكثرة الظهور مكان الدليل.
وقبل الدخول في أي مقارنة، يجب تثبيت حقيقة لا تحتمل المساومة: الاحتلال الإسرائيلي مسؤول قانونياً وأخلاقياً عن احتلال الأرض الفلسطينية، وقتل المدنيين، والتهجير، والاستيطان، وتدمير غزة، والاعتداء على المقدسات.
لكن رفض الاحتلال لا يمنح إيران أو غيرها حق احتكار فلسطين، ولا يلزم الأردن بأن يسلّم سماءه لصواريخ الآخرين.
فلسطين أكبر من أي فصيل
لا يمكن إنكار أن إيران قدمت المال والسلاح والتدريب لحماس والجهاد الإسلامي وفصائل فلسطينية أخرى. وتقدّر تقارير غربية هذا الدعم بنحو 100 مليون دولار سنوياً، مع صعوبة التحقق المستقل من الرقم.
هذه حقيقة يجب الاعتراف بها؛ لأن إنكارها يضعف صدقية أي تحليل.
لكن الحقيقة الأخرى هي أن فلسطين ليست فصيلاً أو صاروخاً أو نفقاً أو بياناً متلفزاً. فلسطين شعب وأرض وهوية وحقوق ومؤسسات ومستقبل سياسي.
ولذلك لا يكفي أن نسأل: كم سلاحاً وصل إلى الفصائل؟
بل يجب أن نسأل:
كم فلسطينياً حُمي من الموت والنزوح؟
كم طفلاً بقي في مدرسته؟
كم مريضاً وجد دواءه؟
كم عائلة بقيت فوق أرضها؟
هل اقترب الفلسطيني من دولته أم ابتعد عنها؟
هل توحد قراره الوطني أم ازداد انقساماً وارتهاناً؟
فدعم القدرة العسكرية لفصيل لا يساوي تلقائياً حماية الشعب الفلسطيني، خصوصاً عندما يدفع المدني وحده ثمن التصعيد، بينما يبقى الممول بعيداً عن الحصار والركام.
اليرموك: الفلسطيني الذي غاب عن الرواية
كان مخيم اليرموك قرب دمشق يضم ما بين 160 و200 ألف فلسطيني. وخلال الحرب السورية والحصار والقصف والجوع، تقلص العدد إلى نحو 16–18 ألفاً عام 2015.
لم تكن إيران وحدها مسؤولة عن هذه المأساة؛ فقد شاركت فيها قوات النظام السوري، وقوى فلسطينية وجماعات معارضة، ثم داعش والنصرة. ولهذا لا يجوز اختزال المأساة في طرف واحد.
لكن لا يجوز أيضاً حذف الدور الإيراني من الصورة؛ فقد قدمت إيران وحزب الله دعماً عسكرياً حاسماً للنظام السوري الذي حاصر المخيم وقصفه.
وهنا يظهر السؤال الذي لا يجيب عنه الخطاب:
كيف يُستدعى الفلسطيني عندما يخدم مشروع «المحور»، ثم يختفي عندما يموت جوعاً داخل ساحة الحليف؟
وكيف يصبح دعم فلسطين عنواناً دائماً، بينما يغيب الفلسطيني المحاصر نفسه عن نشرات البطولة؟
إن الطفل الفلسطيني الذي حُرم من الغذاء والدواء لا يعنيه اسم المحور. ما يعنيه هو: من حاصر الطريق؟ ومن دعم من حاصره؟ ومن امتلك القدرة على التدخل ثم تركه يواجه مصيره؟
العراق: مأساة أخرى خارج الشاشة
قُدّر عدد الفلسطينيين في العراق قبل حرب عام 2003 بنحو 34 ألفاً. وبعد الاحتلال وانهيار الدولة وتصاعد العنف الطائفي، انخفض عددهم عام 2008 إلى ما بين 10 و15 ألفاً.
تعرض فلسطينيون للقتل والخطف والتهديد والطرد، واضطر بعضهم إلى العيش في مخيمات حدودية قاسية بعدما أُغلقت أمامهم أبواب كثيرة.
ولا يصح تحميل إيران كامل المسؤولية؛ فقد أسهم الاحتلال الأميركي، وانهيار الأمن، والإرهاب، والطائفية، وسياسات حكومات وقوى متعددة في هذه المأساة.
لكن لا يجوز أيضاً إخفاء اعتداءات نفذتها ميليشيات مسلحة ذات طابع طائفي، داخل بيئة نفوذ إقليمي متصاعد.
لماذا يحضر الفلسطيني عندما يكون مسلحاً داخل خطاب المحور، ثم يغيب عندما يكون لاجئاً مطارداً داخل ساحاته؟
إنها انتقائية سياسية: تُعرض فلسطين عندما تخدم الرواية، وتُحجب عندما تحرجها النتائج.
الأردن: من حمل الإنسان لا الشعار
يستضيف الأردن نحو 2.4 مليون لاجئ فلسطيني مسجل لدى الأونروا، أي قرابة 40% من مجموع اللاجئين المسجلين في مناطق عملها الخمس.
كما حصلت الغالبية الكبرى من الفلسطينيين في الأردن على الجنسية، وأصبحوا جزءاً أصيلاً من الدولة والمجتمع والتعليم والاقتصاد والخدمة العامة.
وهذه ليست منّة على أحد، بل حقيقة تاريخية يجب أن تدخل في أي مقارنة عادلة.
إيران لم تستقبل ملايين الفلسطينيين، ولم تتحمل مدارسها ومستشفياتها وموازنتها آثار اللجوء الفلسطيني أكثر من سبعة عقود.
أما الأردن، فقد تعامل مع فلسطين باعتبارها إنساناً وحقاً وهويةً وجواراً ومصيراً.
وحتى يناير/كانون الثاني 2025، كان الأردن قد نظم، وفق أرقام نشرتها وكالة رويترز:
* 147 قافلة مساعدات برية.
* 5,569 شاحنة محملة بالمساعدات.
* 391 إنزالاً جوياً أردنياً ودولياً.
* جسراً جوياً لنقل ما لا يقل عن 160 طناً من الأدوية والمستلزمات الطبية خلال أسبوع.
* إضافة إلى المستشفيات الميدانية الأردنية العاملة داخل غزة.
وهنا تصبح المقارنة واضحة:
إيران دعمت القدرة العسكرية لفصائل؛ أما الأردن فحمل الإنسان الفلسطيني: لاجئاً ومريضاً وطالباً وهويةً وحقاً سياسياً.
فأيهما أكثر اتصالاً بحياة الفلسطيني؟
الصاروخ أم المستشفى؟
الخطاب أم شاحنة الطحين؟
الشعار أم الطبيب الذي يعالج الطفل؟
الصورة المتلفزة أم الدولة التي ترفض تهجيره وتحمي حقه في البقاء؟
عندما أصبح الأردن نفسه هدفاً
لم يعد الأمر متعلقاً بأجسام عسكرية تعبر سماء الأردن في طريقها إلى مكان آخر؛ فقد أصبحت مواقع داخل المملكة خلال عام 2026 هدفاً مباشراً لاعتداءات نُسبت إلى إيران، ووقعت أضرار داخل الأراضي الأردنية وفق تقارير دولية منشورة.
وهنا تسقط حجة أن هذه المقذوفات «لا تعني الأردن».
كل صاروخ أو مسيّرة تدخل المجال الجوي الأردني دون إذن، أو تستهدف موقعاً داخل المملكة، تمثل انتهاكاً للسيادة وتهديداً محتملاً للسكان.
ولا تستطيع الدولة أن تنتظر حتى يسقط الصاروخ لتعرف إن كان اعتراضه ضرورياً.
فالصاروخ لا يقدم ضماناً بعدم تعطله أو انحرافه، ولا يضمن ألا يسقط أو يسقط حطامه فوق منزل أو مدرسة أو طريق أو منشأة حيوية.
سماء الأردن ليست ممراً حربياً لإيران أو إسرائيل أو لأي جهة أخرى.
ولو قبلنا مرور الصاروخ الإيراني اليوم لأنه يحمل شعاراً نؤيده، فبأي منطق نرفض غداً مرور طائرة إسرائيلية أو صاروخ من دولة أخرى لأنها تزعم أنها تستهدف خصماً لها؟
السيادة التي تُطبق وفق هوية الصاروخ ليست سيادة، بل بداية التنازل عن القرار الوطني.
واعتراض الصاروخ لا يعني الدفاع عن الجهة التي كان متجهاً إليها؛ بل يعني الدفاع عن الأرض التي عبر فوقها دون إذن.
التوازن الأردني ليس ضعفاً
الأردن ليس محايداً بين الاحتلال والشعب الفلسطيني.
موقفه واضح في رفض التهجير والوطن البديل، والدفاع عن القدس والمقدسات من خلال الوصاية الهاشمية، والمطالبة بالدولة الفلسطينية، وإيصال المساعدات والعلاج إلى غزة.
لكنه يفرق بين الانحياز إلى الحق الفلسطيني وبين السماح بتحويل الأردن إلى جبهة عسكرية في حرب لم يقررها.
هذه هي معادلة التوازن الأردني:
أن يحمل فلسطين من دون أن يسمح بهدم الأردن باسمها.
فالدولة التي تفقد أمنها وحدودها واقتصادها وقرارها لن تحمي فلسطين ولا مواطنيها.
وقد أثبتت تجارب سوريا والعراق ولبنان واليمن أن انهيار الدولة لا ينتج تحريراً؛ بل ينتج ميليشيات ونزوحاً واقتصادات مدمرة وأجيالاً جديدة من الضحايا.
التوازن الأردني ليس وقوفاً في منتصف الطريق بين الحق والباطل، بل إدارة دقيقة لمعادلة شديدة الخطورة: دعم فلسطين، وحماية المقدسات، ورفض التهجير، ومنع اختراق الحدود، وتجنب جر المملكة إلى حرب إقليمية.
هذه ليست علامة ضعف، بل ممارسة صعبة لمسؤولية الدولة.
أخطر الدعاية… الحقيقة المبتورة
الإشاعة المؤثرة لا تبدأ دائماً بكذبة كاملة، بل بنصف حقيقة.
يقال: «اعترض الأردن صاروخاً إيرانياً».
ثم تُحذف العبارة الأهم: «دخل المجال الجوي الأردني دون إذن، وعرّض الأرض والسكان للخطر».
بعد ذلك يأتي الاقتطاع، ثم الشحن العاطفي، ثم التكرار عبر عشرات الحسابات والمنابر، حتى يصبح عدد مرات ظهور الادعاء بديلاً عن الدليل.
وبحذف بضع كلمات، يتحول الدفاع عن السيادة إلى خيانة، ويصبح انتهاك المجال الجوي عملاً بطولياً، ويُطلب من الأردن أن يعتذر لأنه حمى شعبه!
ولا نواجه ذلك بدعاية مضادة، بل بتعليم النشء الجديد أن يسأل:
ما المصدر؟
ما الذي حُذف من الخبر؟
من دفع الكلفة؟
من حصل على المكسب؟
هل كانت فلسطين هي الغاية، أم ورقة في صراع أكبر؟
وماذا بقي للفلسطيني بعد انطفاء الكاميرات؟
الخلاصة
نعم، دعمت إيران فصائل فلسطينية بالسلاح والمال والتدريب، وإنكار ذلك يضعف صدقية أي قراءة.
لكن هذا الدعم لا يمنحها ملكية فلسطين، ولا يلغي مسؤوليتها عن سياساتها في ساحات دفع فيها الفلسطينيون وغيرهم أثماناً باهظة، ولا يمنحها الحق في انتهاك سيادة الأردن.
فالسياسة لا تُقاس بما تقوله عن نفسها، بل بما تتركه خلفها:
دولة أم ساحة؟
وحدة أم انقساماً؟
أمناً أم نزوحاً؟
طفلاً في المدرسة أم طفلاً ينتظر الدواء؟
أما الأردن، ففلسطين ليست ملفاً خارجياً في حساباته؛ إنها حاضرة في تكوينه الوطني، ومستشفياته، ومدارسه، ودبلوماسيته، وفي الوصاية الهاشمية على مقدساتها.
كنت أسمع أينما أذهب أن الصوت الأعلى هو الأكثر وفاءً لفلسطين.
أما اليوم فأقول:
لا تقيسوا الوفاء بعدد الصواريخ ولا بارتفاع الهتاف؛ قيسوه بعدد من حُمي، ومن عولج، ومن تعلّم، ومن بقي حياً فوق أرضه.
الأردن لا يختار بين فلسطين وسيادته؛ لأن حماية الأردن شرط لبقاء السند الأقرب والأكثر ثباتاً لفلسطين.
والأردن لا يعتدي على أحد، لكنه لا يعتذر عن حماية شعبه وأرضه وسمائه وقراره.
المراجع
1. الأونروا: اللاجئون الفلسطينيون في الأردن
2. الأونروا: ورقة حقائق عمليات الوكالة في الأردن
3. تقرير موثق عن حصار مخيم اليرموك وتراجع عدد سكانه
4. Human Rights Watch: خلفية وأوضاع الفلسطينيين في العراق
5. مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين: تراجع أعداد الفلسطينيين في العراق
6. رويترز: القوافل والمساعدات والجسر الطبي الأردني إلى غزة
7. رويترز: موقف الأردن الرافض لأن يكون ساحة حرب لإيران أو إسرائيل
8. رويترز: الاعتداءات والأضرار داخل الأردن في سبتمبر 2026