facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الأردن أكبر مما يراه الآخرون


فيصل تايه
14-09-2026 09:43 AM

بعد نشر مقالي بالأمس حول "السردية الأردنية والسردية اللبنانية"، وصلتني ملاحظات كثيرة من شخصيات وطنية وأبناء هذا الوطن، فتحت أمام الفكرة أسئلة أخرى، ربما كان أهمها:

هل نعرف نحن الأردن كما ينبغي؟ وهل يعرفه الآخرون كما هو؟

اعتدنا أن ننظر إلى السردية الوطنية باعتبارها قصة نرويها لأنفسنا؛ نرتب فيها تاريخنا، ونستعيد محطاتنا، ونعرف أبناءنا بجذور وطنهم ومسيرته. وهذا صحيح، لكنه لم يعد كافياً. ففي عالم اليوم، لا تكفي الحقيقة وحدها؛ بل يجب أن تكون معروفة ومفهومة وقابلة لأن تصل إلى الآخرين.

وهنا تبدأ المسألة في اتخاذ معنى أكبر؛ فالأردن، في كثير من الأحيان، يبدو في الوعي العربي اقلً من حقيقته. وهذه ليست ملاحظة هامشية، ولا اتهاماً للآخرين بعدم المعرفة، بقدر ما هي سؤال ينبغي أن نطرحه على أنفسنا: ماذا فعلنا نحن كي نروي قصة الأردن كاملة؟

فهذا البلد ليس مجرد مساحة جغرافية محدودة، ولا مجرد دولة نجت من عواصف الإقليم. إنه قصة دولة ومجتمع ومؤسسات، وقصة "الإنسان الأردني" الذي استطاع، من رحم الشح في الموارد، أن يبني تجربة حضارية ومؤسسية راسخة، وأن يصدّر الخبرة والكفاءة لأرجاء أمتنا، مؤدياً أدواراً تجاوزت إمكاناته المادية.
لكن قصة الأردن لا تبدأ من حدوده السياسية المعاصرة وحدها.

فهذا المكان كان، عبر عمقه الحضاري الممتد، جزءاً من صلب حركة التاريخ في بلاد الشام والعالم العربي؛ من الحضارات الأولى التي استوطنت أرضه، إلى الفترات الإسلامية المتعاقبة، وصولاً إلى مسارات الثورة العربية الكبرى وتأسيس الدولة الحديثة. إنه نقطة توازن واستقرار في منطقة تتلاطم فيها الأمواج.

ولهذا، فإن معرفة الأردن ليست شأناً أردنياً وحده؛ فكل عربي مخلص يريد أن يفهم تاريخ المشرق العربي وتحولاته، ومسيرة الدولة، وتاريخ فلسطين والقدس، لا يمكن أن يقرأ هذه الصفحات من دون أن يقرأ الأردن فيها.

وحين نروي هذه القصة، لسنا بصدد صناعة أمجاد من الماضي، ولا البحث عن مكانة أكبر مما نستحق؛ فنحن فقط نحاول أن نضع الأشياء في مواضعها.

فكم يعرف الآخرون من هذه القصة؟ وهل الصورة التي يحملها البعض هي صورة البلد كما هو، أم صورة اختزلتها الأخبار والمواقف العابرة؟

هنا تصبح السردية أكثر من مجرد حديث عن الماضي؛ إنها جوهر «القوة الناعمة» والحضور الوطني. فالدول لا تُعرف فقط بما تفعله، وإنما بما يُروى عنها. وفي زمن الإعلام الرقمي وخوارزميات الذكاء الاصطناعي، تتشكل الانطباعات بسرعة؛ فإن لم نكتب نحن سرديتنا الكاملة ونغذِّ بها الفضاء الرقمي، ستجد الخوارزميات نفسها أمام روايات مبتسرة كتبها غيرنا.

ومن هنا، فإن بناء السردية الأردنية لا ينبغي أن يكون مشروعاً داخلياً مغلقاً. لا نحتاج إلى دعاية أو تجميل للصورة؛ نحتاج فقط إلى أن نروي قصتنا كما هي؛ بإنجازاتها وتحدياتها. فالسردية الحقيقية ليست قناعاً نجمل به وجوهنا، بل هي مرآة نرى فيها ذواتنا كاملة دون رتوش، ليراها العالم كما هي.

وهنا تقع مسؤولية لا تخص مؤسسة بعينها؛ إنها مسؤولية المدرسة والجامعة، والإعلام والثقافة، والباحث وصانع القرار، وكل مواطن. لأن الوطن الذي لا يروي قصته، سيترك للآخرين أن يرووها عنه.

يجب ألا يبقى مشروع السردية حبيس اللجان والكتب، بل أن يتحول إلى معرفة حية تصل إلى الطالب في مدرسته، والعربي في بيروت ودمشق والقاهرة والرياض والدار البيضاء؛ فالسردية التي لا تلامس الوعي تظل وثيقة صامتة.

وربما تكون المرحلة التالية هي أن ننتقل من سؤال «كيف نرى الأردن؟» إلى سؤال: كيف يراه الآخرون؟ وكيف نردم المسافة بين الأردن الذي نعرفه والأردن الذي يراه العالم؟

إنها ليست مسألة علاقات عامة، بل مسألة وعي استراتيجي؛ فالجغرافيا قدر، لكن السردية اختيار، ومن لا يكتب قدره بيده، يقرأه بعيون الآخرين.

الأردن ليس بحاجة إلى أن يصنع صورة أكبر من حقيقته؛ الأردن بحاجة فقط إلى أن تُروى حقيقته كاملة. وهذه واحدة من أهم المعارك الهادئة التي تستحق أن نخوضها؛ معركة تحتاج إلى البحث والتوثيق والإعلام، وإلى إرادة وطنية تؤمن بأن للأردن قصة تستحق أن تُروى.

قصة تفتح للأردني وللعربي معًا سؤال المستقبل: أي أردن نريد أن يعرفه أبناؤنا غداً؟ وأي أردن نريد أن يعرفه العالم؟





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :