الدولة والقطاع الخاص: من يحمي استمرارية الاقتصاد؟
د. حمد الكساسبة
02-11-2026 09:03 AM
في الأوقات العادية، تبدو العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص واضحةً إلى حد كبير. الدولة تضع القواعد والسياسات، والقطاع الخاص ينتج ويستثمر ويوظف. لكن هذه الصورة تتغير عندما تمر المنطقة بمرحلة تتسم بالاضطراب وعدم اليقين، وتتداخل معها مخاطر الطاقة والتجارة والنقل والتمويل والاتصالات. عندها لا يعود السؤال فقط: من يدير الاقتصاد؟ بل يصبح الأهم: كيف يبقى الاقتصاد قادراً على العمل إذا تعطلت إحدى حلقاته؟ وهنا تصبح الاستمرارية مسؤوليةً لا تستطيع جهة واحدة أن تحملها وحدها.
فالاقتصاد الحديث لا يعمل من داخل المؤسسات الحكومية فقط. جزء كبير من الغذاء والدواء والنقل والمخازن والاتصالات والتمويل والخدمات الرقمية تديره شركات خاصة. وفي المقابل، تملك الدولة ما لا يستطيع السوق توفيره وحده: القرار العام، والتشريع، وتحديد الأولويات، والتنسيق بين القطاعات، وحماية المصلحة العامة. لذلك لا تأتي قوة الاقتصاد وقت الاضطراب من قدرة طرف واحد، بل من قدرة الطرفين على العمل ضمن صورة واضحة، يعرف فيها كل طرف دوره ومسؤوليته.
ومن هنا تبدأ أهمية الجاهزية قبل الأزمة. فالمسألة لا تتعلق فقط بوجود مخزون أو خطة طوارئ، بل بمعرفة نقاط الضعف داخل الاقتصاد قبل أن تظهر تحت الضغط. ما القطاعات التي لا تحتمل التوقف؟ ما الخدمات التي يعتمد بعضها على بعض؟ أين توجد البدائل؟ ومن يستطيع التحرك إذا تعطلت إحدى الحلقات؟ كلما كانت هذه الصورة واضحةً مسبقاً، أصبحت الاستجابة أسرع وأقل كلفة. فالأزمة لا تمنح وقتاً طويلاً لتوزيع الأدوار، وما لم يكن معروفاً قبلها يصعب بناؤه تحت الضغط.
وجاءت جائحة كورونا لتكشف بوضوح مدى ترابط الاقتصاد الحديث. فقد بدأت الأزمة صحيةً، ثم انتقلت سريعاً إلى الغذاء والنقل والعمل والتمويل وسلاسل الإمداد. وكان الدرس الأهم أن استمرار النشاط الاقتصادي في الأزمات الواسعة يحتاج إلى دولة قادرة على تنظيم الأولويات، وقطاع خاص قادر على إبقاء السلع والخدمات والحركة الاقتصادية مستمرةً قدر الإمكان. ومنذ ذلك الوقت، أصبح واضحاً أن حماية الاقتصاد لا تبدأ عند وقوع الأزمة، بل من طريقة الاستعداد لها قبل أن تبدأ.
وفي ظل الاضطرابات التي يشهدها الشرق الأوسط، وما يصاحبها من عدم يقين بشأن المسار والمدة، تزداد أهمية أن تكون العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص جزءاً من الجاهزية الاقتصادية، لا مجرد استجابة تبدأ بعد ظهور آثار الأزمة. فمصادر الضغط قد تنتقل عبر أكثر من قناة، من الطاقة والنقل إلى التجارة والتمويل والاتصالات. كما أن المعلومات الضرورية لفهم الصورة موزعة بطبيعتها بين جهات متعددة؛ فالدولة تجمع الصورة الكلية، بينما ترصد الشركات تفاصيل السوق والإمدادات والتكاليف والطلب من موقعها التشغيلي. وعندما تتكامل هذه المعلومات، تصبح القدرة على اكتشاف الخلل مبكراً واتخاذ القرار المناسب أكبر.
ولهذا لم يعد كافياً الحديث عن «التعاون وقت الأزمة». الأجدى هو الانتقال إلى مفهوم أوسع: الجاهزية المشتركة قبل الأزمة. وهذا يعني أن تعرف الدولة مسبقاً أين توجد القدرات الحيوية داخل الاقتصاد، وأن تعرف الشركات ما المتوقع منها في الظروف الطارئة، وأن تكون هناك قنوات واضحة لتبادل المعلومات، وخطط لاستمرارية الأعمال، وبدائل جاهزة للقطاعات التي لا تحتمل التوقف، مع الحفاظ على انسيابية التمويل وتوفر السيولة اللازمة لاستمرار النشاط. والهدف ليس إضافة هياكل جديدة بالضرورة، بل رفع فاعلية التنسيق القائم وجعله جزءاً من الاستعداد الطبيعي للاقتصاد.
لكن هذه الشراكة لا تعني أن ينتقل القرار العام إلى القطاع الخاص، ولا أن تتراجع مسؤولية الدولة. فالدولة تبقى مسؤولةً عن تحديد الأولويات، وحماية المصلحة العامة، وضمان العدالة والمنافسة. أما القطاع الخاص فيساهم بما يملكه من معرفة بالسوق، ومعلومات تشغيلية، ومرونة في الحركة. وهنا تظهر أهمية التوازن؛ لأن تركيز بعض الخدمات الحيوية لدى عدد محدود من الجهات قد يزيد درجة الاعتماد ويجعل تنويع الخيارات أكثر أهمية، كما أن وضوح القواعد يضمن بقاء التعاون في إطار يخدم المصلحة العامة.
في زمن الاضطراب، لا يكفي أن يكون الاقتصاد كبيراً أو أن يحقق نمواً جيداً؛ المهم أيضاً أن يستطيع الاستمرار عندما يتعرض للضغط. وهذه القدرة لا تصنعها الدولة وحدها، ولا القطاع الخاص وحده. تصنعها معرفة واضحة بمن يملك الموارد، ومن يملك المعلومة، ومن يستطيع التحرك، وكيف تتكامل هذه القدرات عندما تبدأ الأزمة. وربما يكون هذا من أهم دروس المرحلة: قوة الدولة الاقتصادية لا تُقاس فقط بما تملكه مؤسساتها، بل بقدرتها على تنظيم طاقات الاقتصاد كله، وجعلها تتحرك عند الحاجة كمنظومة واحدة تحمي الاستمرار وتخفف كلفة الصدمة.