اختيار المحافظ .. رجل الدولة قبل جغرافيا المكان
محمد مطلب المجالي
14-09-2026 09:46 AM
اختيار المحافظ ليس مجرد قرار إداري لشغل موقع، ولا ينبغي أن يخضع لمنطق التوزيع الجغرافي أو قاعدة «هذه المحافظة من حصتها وتلك من نصيبها». فالمحافظ موقع حساس، وهو ممثل الدولة في الميدان، ويمثل جلالة الملك في محافظته، ويحمل مسؤولية الأمن والاستقرار ومتابعة شؤون المواطنين والمؤسسات، ولذلك فإن السؤال الأهم ليس من أي محافظة يأتي المحافظ، وإنما من هو الشخص القادر على حمل هذه المسؤولية.
الموقع يحتاج إلى شخصية تتمتع بالحضور والهيبة دون استعراض، والحزم دون قسوة، والحكمة دون تردد، والقدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب، إلى جانب معرفة القانون واحترامه وفهم طبيعة المجتمع الأردني وتركيبته الاجتماعية والعشائرية. فالمحافظ الناجح ليس من يكثر من الاجتماعات أو الظهور، وإنما من يعرف ما يجري في محافظته، ويقترب من المواطنين، ويستمع إلى مختلف مكونات المجتمع، ويتعامل مع القضايا بروح المسؤولية والقدرة على الإنجاز.
والنزاهة والاستقلالية من أهم شروط الاختيار؛ فالمحافظ عندما يتولى موقعه لا يمثل عائلته أو عشيرته أو منطقته، وإنما يمثل الدولة. ولذلك يجب أن يكون بعيداً عن الحسابات الشخصية والنفوذ الاجتماعي والسياسي، وأن تكون علاقاته وسيلة للتواصل وخدمة المواطنين، لا مدخلاً للتأثير في قراراته أو توجيه صلاحياته.
أما التوزيع الجغرافي، فقد يكون عاملاً تنظيمياً في بعض التعيينات، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى معيار يحجب الكفاءة. فالأردن وطن واحد، والمحافظ القادر على إدارة شؤون محافظة بكفاءة يستطيع أن يخدم في أي محافظة، لأن معيار النجاح هو القدرة والإنجاز لا مكان الميلاد. والأجدى أن ننتقل من سؤال «من أين جاء المحافظ؟» إلى سؤال أكثر أهمية: «ماذا يستطيع أن يقدم؟»
والمحافظ يحتاج كذلك إلى خبرة حقيقية في إدارة الأزمات واحتواء الاحتقان الاجتماعي، والتعامل مع القضايا العشائرية والمجتمعية بحكمة، بحيث يحافظ على هيبة الدولة ويطبق القانون بعدالة ويمنع تفاقم المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات. وهنا تظهر شخصية المحافظ الحقيقية: هل يستطيع أن يجمع الناس؟ هل يمتلك القدرة على الحوار والتهدئة؟ وهل يستطيع اتخاذ القرار في الوقت المناسب دون تردد أو انفعال؟
ولا يكفي حسن اختيار المحافظ، بل لا بد من تقييم أدائه بصورة دورية وموضوعية، فمعيار الاستمرار في الموقع يجب أن يكون الإنجاز وليس العلاقات أو المجاملات. ويجب أن يستند التقييم إلى مؤشرات واضحة، من بينها مستوى الأمن والاستقرار، وسرعة معالجة قضايا المواطنين، والحضور الميداني، والتنسيق بين مؤسسات المحافظة، وإدارة الأزمات، والالتزام بالقانون، والنزاهة، وحسن استخدام الصلاحيات. فالتقييم يجب أن يكون للنتائج لا للانطباعات، وللأداء لا للعلاقات؛ فمن ينجح يستمر ويُستفاد من خبرته، ومن يثبت عجزه عن إدارة موقعه يجب أن يخضع للمراجعة واتخاذ القرار المناسب.
فالمحافظ ليس وجيهاً اجتماعياً فحسب، ولا موظفاً إدارياً يجلس خلف المكتب، وإنما رجل دولة في الميدان، ومن هنا يجب أن يكون الاختيار وفق معايير واضحة: الكفاءة، والنزاهة، والخبرة، والاستقلالية، والحضور، والقدرة على اتخاذ القرار، ومعرفة المجتمع والقانون.
الوطن لا يحتاج إلى توزيع المواقع بقدر حاجته إلى وضع الرجل المناسب في المكان المناسب. وعندما يصبح معيار الاختيار هو الكفاءة، ومعيار الاستمرار هو الإنجاز، فإننا لا نختار محافظاً لمحافظة فحسب، بل نختار رجل دولة يحمل أمانة المسؤولية ويمثل جلالة الملك والدولة خير تمثيل.
المحافظ الناجح هو الذي يشعر المواطن من خلاله أن الدولة قريبة منه، وأن القانون فوق الجميع، وأن المسؤول يستمع ويعمل ويحاسب، وأن الموقع العام مسؤولية لا وجاهة.