عندما يُسند الأمر إلى غير أهله… ويتقدم العابثون
محمد مطلب المجالي
17-09-2026 11:39 AM
المشكلة ليست في قلة المصطلحات، فقد امتلأت الألسن بالكفاءة والعدالة وتكافؤ الفرص والحوكمة واحترام الخبرة، لكننا في كثير من الأحيان لا نرى هذه الكلمات وهي تتحول إلى واقع. كلام كبير يُقال، وممارسة مختلفة تجري على الأرض.
وفي الشأن العشائري والاجتماعي تحديدًا، تقدمت في بعض المواقع والمواقف شخصيات لا تمتلك التأهيل الكافي لإدارة القضايا الحساسة، بينما تراجع أصحاب الحكمة والخبرة والقدرة على الإصلاح إلى الصفوف الخلفية. والنتيجة أن أصبح العقلاء أمام مشهد يفرض عليهم حيرة وعناء؛ فالقضية التي كانت تُحل بكلمة موزونة قد تحتاج اليوم إلى كثير من الجهد حتى لا تتسع دائرة الخلاف.
العشيرة في جوهرها ليست منصة للظهور، ولا مجالًا للمنافسة على الألقاب والوجاهة، وإنما منظومة اجتماعية تقوم على الحكمة والإصلاح وحفظ الحقوق وتهدئة النفوس. وكلما ابتعدت عن هذه الوظيفة، وتحولت إلى مساحة للاستعراض أو تسجيل المواقف، خسر المجتمع جزءًا من قدرته على معالجة مشكلاته بالحكمة.
وهذا القياس يمكن أن يمتد إلى الإدارة والثقافة والعمل العام؛ فعندما يتقدم غير المؤهل ويتراجع صاحب الخبرة، لا يتضرر شخص بعينه، بل تتضرر المؤسسة والمجتمع. وحين يصبح الحضور أهم من الإنجاز، والصوت أعلى من العقل، والعلاقة أقوى من الكفاءة، يصبح أصحاب الخبرة في موقف صعب: إما أن يصمتوا، وإما أن يدخلوا في سجالات لا تليق بهم.
المطلوب ليس إقصاء أحد، ولا احتكار المواقع من فئة بعينها، وإنما إعادة الاعتبار للمعيار الصحيح: الأهلية قبل الوجاهة، والحكمة قبل الصوت العالي، والخبرة قبل الادعاء، والنتيجة قبل الكلام.
فالمجتمع الذي يضع العقلاء في الصفوف الأولى يستفيد من تجاربهم، أما المجتمع الذي يترك الساحة للأكثر صخبًا، فقد يجد نفسه يدفع ثمن قرارات لم يكن مضطرًا إلى دفعه.
نحن بحاجة إلى مراجعة هادئة وشجاعة: أين نضع أصحاب الخبرة؟ ومن نمنحه حق الحديث باسم الناس؟ ومن نأتمنه على قضايا المجتمع؟ وهل ما زالت معايير الاختيار قائمة على الحكمة والأهلية، أم أصبحنا نختار أحيانًا من يملك الجرأة على التقدم لا القدرة على تحمل المسؤولية؟
فالوجاهة لا تصنع حكيمًا، وارتفاع الصوت لا يصنع قائدًا، وكثرة الظهور لا تصنع أهلية.
والعاقل لا يريد أن يتصدر كل شيء، لكنه يريد أن يرى الأمور في أيدي من يعرفون قيمتها، حتى لا يتحول المجتمع من معالجة مشكلاته إلى إدارة أزماته.