ثقافة تمجيد الشهادات .. وماذا بعد؟
فيصل تايه
20-09-2026 09:06 AM
ثمة سؤال تأخرنا كثيراً في طرحه، ليس على أبنائنا فقط، وإنما على أنفسنا أيضاً: ماذا نريد فعلاً من التعليم؟
لسنوات طويلة، اعتدنا أن نفرح حين يحصل أبناؤنا على الشهادة، وأن نعدّها محطة الوصول، وكأن الطريق إلى المستقبل ينتهي لحظة التخرج. ترسخت لدينا معادلة بسيطة: ادرس، احصل على الشهادة، ثم ابحث عن وظيفة.
ومع الوقت، تحولت الشهادة، في نظر كثيرين، من وسيلة للمعرفة والتأهيل إلى غاية بحد ذاتها، وأصبح المسار الجامعي يبدو الطريق الطبيعي إلى المستقبل، حتى عندما لا يكون بالضرورة الطريق الأنسب لقدرات الطالب أو احتياجات سوق العمل.
وليس في ذلك انتقاص من التعليم الجامعي؛ فالطبيب والمهندس والباحث والمعلم أعمدة لا غنى عنها لأي مجتمع. لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الشهادة معياراً شبه وحيد للنجاح، بينما ينظر إلى التعليم المهني والتقني والمهن الحرفية باعتبارها خيارات أقل مكانة.
عندها لا نضيّق خيارات أبنائنا فحسب، بل نضيّق أيضاً خيارات اقتصادنا.
فالعالم تغيّر، وسوق العمل تغيّر معه. المعرفة ما تزال أساساً، والشهادة ما تزال مهمة، لكنهما لم تعودا وحدهما كافيتين. ومع تسارع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأتمتة، تتزايد قيمة القدرة على التعلم المستمر، والتكيف، وحل المشكلات، وتحويل المعرفة إلى مهارة قابلة للاستخدام.
ومن هنا ربما آن الأوان لأن نضيف إلى سؤالنا التقليدي: ماذا ستدرس؟ سؤالاً آخر: ماذا ستتقن؟
هذا السؤال اكتسب لدي معنى مختلفاً خلال زيارة إلى ألمانيا، أتيحت لي خلالها فرصة للاطلاع عن قرب على تجربة التعليم والتدريب المهني، ولا سيما التعليم المزدوج الذي يجمع بين التعلم النظري والتطبيق العملي في بيئة العمل.
وتابعت جانباً من التطبيق في عدد من الشركات الألمانية الكبرى، ومنها بوش وسيمنس وفولكسفاغن. وما بقي في ذهني من تلك التجربة لم يكن حجم الشركات أو أسماؤها، بقدر ما كانت العلاقة الواضحة بين المدرسة والمهنة والتدريب وسوق العمل.
في بوش، لفتني أن الطالب يتعامل مع التكنولوجيا وحل المشكلات في بيئة قريبة من الواقع المهني. لم تكن المهنة هناك نقيضاً للتعليم، ولم تكن المهارة بديلاً عن المعرفة؛ كانت ببساطة المعرفة عندما تجد طريقها إلى التطبيق.
وهنا تكمن الفكرة التي تستحق أن نتوقف عندها في الأردن: المشكلة ليست في أن يتعلم الطالب بيديه، ولا في أن يكتسب مهارة عملية، بل في أن ننجح في بناء تعليم يجعل المعرفة والمهارة مسارين متكاملين.
وقد وجدت معنى قريباً من ذلك في بعض التجارب الخليجية التي اطلعت عليها، حيث يجري ربط التدريب التقني والمهني باحتياجات الاقتصاد والقطاع الخاص، وجعل الانتقال من التعليم إلى العمل جزءاً من المنظومة.
لكن التجارب الناجحة لا تُنقل كما هي.
فوراء كل نموذج بيئة اقتصادية وتشريعية وثقافية، وسوق عمل، وبنية تحتية، وشراكات بين المؤسسات التعليمية وأصحاب العمل. ولذلك فإن ما نجح في ألمانيا أو الخليج ليس بالضرورة أن ينجح في الأردن بالطريقة نفسها.
المطلوب ليس أن نصبح نسخة من الآخرين، بل أن نعرف ماذا يمكن أن نتعلم منهم، ثم ماذا يمكن أن نصنع نحن.
ومن هنا يصبح الحديث عن BTEC أكثر واقعية عندما نخرجه من الجدل حول الاسم أو التصنيف، ونضعه أمام السؤال الأهم: ما أثره؟
هل يحصل الطالب على تدريب عملي حقيقي؟ هل توجد شراكة فعلية مع القطاع الخاص؟ هل تتوافق المسارات مع احتياجات سوق العمل؟ وهل تتحول المعرفة التي يحصل عليها الطالب إلى مهارة يستطيع استخدامها؟
فهذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تحسم قيمة أي تجربة تعليمية؛ لا عدد الملتحقين بها فقط، ولا عدد المتخرجين منها.
وهذا يقودنا إلى سؤال أوسع: كيف نقيس نجاح التعليم أصلاً؟
ربما آن الأوان لأن ننتقل من سؤال: كم طالباً تخرج؟ إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا يستطيع هذا الخريج أن يفعل بما تعلمه؟
هل يستطيع أن يعمل؟ أن يتعلم مهارة جديدة؟ أن يستخدم التكنولوجيا؟ أن يحل مشكلة؟ أن يبدأ مشروعاً؟
هذه هي قابلية التشغيل بمعناها الحقيقي، وهي إحدى المساحات التي يجب أن نقيس فيها أثر التعليم إذا كنا نريد منظومة تستجيب للمستقبل.
لكن في المقابل، لا ينبغي أن ننتقل من تمجيد الشهادة إلى تمجيد المهارة.
نحن بحاجة إلى الاثنين معاً.
نحتاج إلى الطبيب والمهندس والباحث والمعلم، كما نحتاج إلى الفني المتخصص، والمبرمج، والتقني، والحرفي المحترف، وصاحب المشروع.
فليس كل طالب مشروعاً جامعياً، كما أن ليس كل طالب مشروعاً مهنياً. أبناءنا مختلفون في قدراتهم وميولهم، ودور التعليم ليس أن يضعهم جميعاً في القالب نفسه، بل أن يفتح أمامهم مسارات متعددة ومحترمة، ويمنح كل مسار جودة حقيقية وفرصاً حقيقية.
وهنا لا يعود الإصلاح مجرد إطلاق برنامج أو تغيير منهج. الإصلاح الحقيقي هو أن نمتلك القدرة على التجربة والقياس والمراجعة والتصحيح.
ما لا يحقق الأثر المطلوب ينبغي أن نراجعه، وما يثبت نجاحه ينبغي أن نطوره ونوسع أثره. وهذا يتطلب منظومة حوكمة وتقييم مستقلة، تنظر إلى المخرجات لا إلى الأرقام وحدها، وإلى ما يحدث للطالب بعد المدرسة بقدر ما تنظر إلى ما يحدث داخلها.
لسنا مطالبين بأن نصبح ألمانيا، ولا أن نكرر تجربة مصر، ولا أن نستنسخ نموذجاً خليجياً أو بريطانياً.
نحن مطالبون بأن نكون الأردن.
أن نقرأ تجارب العالم بعين مفتوحة، ونأخذ منها ما يناسبنا، ثم نبني نموذجاً يستجيب لواقعنا، واحتياجات أبنائنا، واقتصادنا، وسوق عملنا.
فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ بالسؤال: أي نموذج نقلنا؟
بل بالسؤال الأهم:
ماذا صنعنا نحن من هذه النماذج؟
لقد أمضينا سنوات طويلة نسأل أبناءنا: ماذا ستدرس؟
وربما آن الأوان أن يصبح السؤال الأهم:
ماذا ستتقن؟
فالشهادة مهمة، لكنها ليست النهاية.
بعد الشهادة... ماذا؟