هل حان وقت "الثورة الإقتصادية البيضاء"؟
د. م. محمد الدباس
20-09-2026 12:23 PM
وأنا أستمع إلى حديث د. معن القطامين في إربد، توقفت عند عبارتين تختصران المشهد الإقتصادي الأردني: (طلقة تحذيرية) و(ثورة إقتصادية بيضاء).
فالأردن نجح في الحفاظ على استقراره رغم الصدمات، لكن السؤال اليوم: هل يكفي الإستقرار إذا ظل النمو متواضعاً، والبطالة مرتفعة وخدمة الدين ضاغطة على المستقبل؟
مسار الإصلاح الحكومي ليس خاطئاً، لكن سرعته وعمقه ونتائجه تستحق المراجعة.
فبين الخطط والإستراتيجيات وبرامج التحديث الإقتصادي، يبقى المعيار الحقيقي هو ما يتحقق على الأرض: استثمارات جديدة، إنتاج أعلى، صادرات أكبر، وفرص عمل حقيقية.
وهنا ربما تكمن المشكلة الأكبر: الإقتصاد الأردني لا يعاني من نقص في الأفكار بقدر ما يعاني من (فجوة) بين الفكرة والتنفيذ.
لدينا رؤى وبرامج ومشاريع واعدة، لكن المطلوب هو تحويلها إلى قرارات واستثمارات ومشاريع إنتاجية ضمن جداول زمنية واضحة، ومحاسبة المسؤول عن التنفيذ على النتائج لا على عدد الإجتماعات والتقارير.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل (الجهد الملكي) في فتح أبواب الإستثمار والشراكات أمام الأردن، من الصين إلى التشيك وغيرهما، عبر لقاءات واتفاقيات تستهدف جذب الإستثمارات ونقل التكنولوجيا وفتح الأسواق.
لكن السؤال يبقى: هل تنجح الحكومة في تحويل هذا (الحراك الملكي) إلى مشاريع واستثمارات وفرص عمل على الأرض؟ ففتح الأبواب قضية مهمة، أما اقتناص الفرص وتحويلها إلى نمو وإنتاج وتشغيل فهو (الإختبار) الحقيقي للتنفيذ الحكومي.
كما أن الإصلاح الإقتصادي لا يمكن أن يبقى ملفاً حكومياً منفرداً. فالقطاع الخاص يحتاج إلى شريك حكومي سريع في القرار، واضح في التشريعات ومستقر في السياسات.
والمستثمر لا يبحث فقط عن الإعفاءات والحوافز، وإنما عن (الثقة والسرعة وقابلية التنبؤ). وكل يوم تأخير في قرار استثماري أو مشروع إنتاجي هو في النهاية (كلفة) يتحملها الإقتصاد.
المشكلة ليست فقط في ضبط الإنفاق وخفض العجز، وإنما في أن يتحول الإصلاح إلى (محرك) للنمو. فخفض الدين لا يتحقق بالتقشف وحده، بل باقتصاد أكبر وأكثر إنتاجية، وباستثمارات نوعية وقطاع خاص قادر على خلق القيمة وفرص العمل.
وهنا تبدو (الثورة الاقتصادية البيضاء) أكثر من مجرد شعار؛ إنها دعوة للإنتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها، ومن (إدارة الإقتصاد) إلى صناعة النمو.
وهذا يتطلب من الحكومة برنامجاً تنفيذياً واضحاً يحدد فيه القطاعات ذات الأولوية، ويربط الحوافز والإنفاق بالإستثمار والتشغيل والإنتاج، ويعيد تقييم ما تعثر من مسارات للإصلاح.
خلاصة القول؛ الحكومة ليست مطالبة بأن تكون أكبر مشغّل في الإقتصاد، لكنها مطالبة بأن تكون أكبر مُمكّن للنمو.
والأردن لا يحتاج إلى هدم ما بُني، بل إلى (تسريع) الإصلاح (وتغيير) أولوياته. ومعالجة الدين من باب تحقيق النمو لا من باب التقشف، فالإستقرار الذي تحقق يجب أن يكون منصة للنمو، لا سقفاً للطموح. والرسالة التي جاءت من إربد تستحق أن تُسمع في عمّان.