القيادات الحزبية .. بالكفاءة أم بالمكافأة؟
محمد مطلب المجالي
20-09-2026 07:45 PM
مع اتساع مساحة العمل الحزبي في الأردن، وكثرة الحديث عن تطوير الحياة السياسية ودور الأحزاب في المرحلة المقبلة، يبرز سؤال مشروع: هل تُصنع القيادات الحزبية على أساس الكفاءة والخبرة والقدرة، أم أن بعض المواقع تتحول أحياناً إلى مكافآت تنظيمية؟
السؤال ليس اتهاماً لأحد، ولا يستهدف حزباً بعينه، وإنما هو تساؤل من حق المواطن أن يطرحه، ومن حقه أيضاً أن يعرف كيف تُدار الأحزاب التي يُراد لها أن تكون جزءاً أساسياً من الحياة السياسية وصناعة القرار.
الحزب ليس مجرد اسم أو لافتة أو مجموعة من الاجتماعات والبيانات، وإنما مدرسة سياسية يفترض أن تنتج قيادات قادرة على فهم الواقع، وطرح البرامج، والحوار مع الناس، وتحمل المسؤولية. ولذلك فإن اختيار القيادات يجب أن يكون مرتبطاً بالكفاءة والقدرة على العمل، لا بمجرد الحضور أو العلاقات أو الولاءات الشخصية.
والطريف أن بعض الخطابات الحزبية تتحدث كثيراً عن الديمقراطية وتداول المسؤولية، لكن عند الوصول إلى المواقع القيادية قد تصبح المعايير أكثر مرونة، وتبدأ الحسابات التنظيمية والشخصية في أخذ مساحة أكبر. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل وصل هذا الشخص لأنه الأكثر كفاءة، أم لأنه الأكثر قرباً وتأثيراً داخل التنظيم؟
المشكلة لا تكمن في اختيار شخص بعينه، وإنما في المعيار الذي يتم على أساسه الاختيار. فإذا كانت الكفاءة هي المعيار، فليتقدم أصحاب الخبرة والمعرفة والقدرة على الإقناع والعمل. وإذا كانت المواقع توزع باعتبارها مكافآت، فإن الحزب قد يجد نفسه أمام قيادات تحمل الألقاب أكثر مما تحمل القدرة على صناعة الفعل السياسي.
المواطن اليوم أكثر وعياً، ويرى ويسأل ويتابع. ومن حقه أن يعرف من يقود الأحزاب، وما خبراتهم، وما برامجهم، وكيف وصلوا إلى مواقعهم، وهل هناك تداول حقيقي للمسؤولية أم أن المواقع تبقى محصورة في دائرة محددة.
والقيادة الحزبية ليست لقباً يضاف إلى الاسم، ولا صورة في مؤتمر، ولا بياناً يحمل توقيعاً. القيادة مسؤولية، واختبارها الحقيقي يكون في الميدان، وفي القدرة على التواصل مع الناس، وتقديم حلول واقعية، واحترام الاختلاف، والعمل بروح الفريق.
ولذلك فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى أحزاب تنظر إلى الكفاءة باعتبارها رصيداً، لا منافساً، وإلى أصحاب الخبرة باعتبارهم إضافة، لا عبئاً. فالحزب القوي ليس الذي يحتكر المواقع، وإنما الذي يستطيع أن يصنع أكثر من قيادة، ويمنح أعضاءه فرصة حقيقية للتقدم وفق معايير واضحة.
نحن لا نريد أحزاباً كثيرة بالأسماء فقط، بل نريد أحزاباً حقيقية في برامجها وممارستها، قادرة على إقناع المواطن بأن العمل السياسي ليس طريقاً للحصول على لقب أو موقع، وإنما مسؤولية وخدمة عامة.
وفي النهاية، من حق المواطن أن يعرف الواقع كما هو، ومن حق الأحزاب أن تقدم نفسها بشفافية، ومن حق الكفاءة أن تأخذ مكانها الطبيعي.
فالقيادة التي تُبنى على الكفاءة تبقى، أما القيادة التي تُبنى على المكافأة فتحتاج دائماً إلى من يبرر وجودها.
الوطن بحاجة إلى قيادات تصنع الفرق، لا إلى ألقاب تصنع الصورة.