غدًا .. بين الخوف والطمأنينة
هالة جمال سلوم
30-09-2026 06:44 PM
كلما أرخى الليل سدوله، وتوارت النجوم خلف عتمته، وسكنت المخلوقات، وآوى كلٌّ منا إلى فراشه، وبعيدًا عن ضجيج النهار وصخب الحياة، تأتي تلك اللحظات التي يخلو فيها كل مع نفسه بحثا عن السكينة والهدوء، عسى أن ينال قسطا من الطاقةً الايجابية، وشحذ النفس.
في غمرة تلك اللحظات، يأتيك ذلك الضيف الثقيل بلا هوادة، بلا دعوة، وبلا استئذان. لا يطرق بابًا، ولا يأبه بوقت، ولا بمدى استعدادك لاستقباله، ولا بزمان حضوره.
. يقتحم خلوتك، ويقتسم جلستك، وخلوتك، وينازعك هدوءك، يأتيك ليشاركك الحديث حول كل أمورك، صغيرها وكبيرها، يخيل اليك في بداية الأمر أنه ذلك القريب الوديع الوفي المهتم لشأنك، يريد المساعدة والمشاركة في حل مشكلاتك، فتطمئن اليه باعتباره عونًا وأنيسا وجليسا، ثم رويدًا رويدًا، ما يلبث أن يظهر على حقيقته، وتختفي تلك الوداعة، فيتحول من مساعد إلى لصٍّ محتال، يسرق منك لحظات خلوتك، وينتهك سكينة ليلك، ويعبث بطمأنينتك.
لا يأبه بثقل أسئلته، وكثرة استفساراته، ولا يبرح حتى يتركك أسيرًا في بحر من السين والجيم. يهوّن عليك تارة، ويقلقك أخرى، وينسج معك خيالات واحتمالات، بعضها قد يكون واقعيًا، وبعضها لا علاقة له بالواقع.
وكلما وجد هذا الضيف حفاوةً وحسن استقبال وجدية إصغاء، تمادى في الجلسة، وأغرقك بفيض أسئلتة عن المعلوم والمجهول، عن الممكن والمستحيل، عن المؤكد والمحتمل، حتى يتركك في دوامة من الأفكارً التي لها بداية وليس لها نهاية.
ماذا عن الغد؟
ماذا عن المستقبل؟
هل أنا آمن؟
وإن كنت آمنًا الآن، فهل سأبقى كذلك غدًا؟
كيف آمن المجهول، وهذه البقعة المعتمة التي لا أستطيع أن أرى ما تخبئه؟
متى سأشعر بالأمان؟ ومتى أصل إلى السعادة؟
ماذا عن أبنائي ومستقبلهم؟
ماذا عن عملي؟
ماذا عن وظيفتي؟
ماذا عن ذلك الزميل؟
وماذا عن ذلك المدير الذي ربما يتربص بي؟
هل سيبقى رغد العيش؟
وهل… وهل… وهل؟
إنها دوامة التفكير التي لا تنته، والتي تدور في حلقة مفرغة، بل تتكاثر وتتوالد، فتزيد الحيرة والتيه،
نعم، من منا لا يخاف المجهول؟ ومن منا لا لا يقلق على المستقبل، من منا لا يخطط يخطط ولا يتوقع ولا يحتاط؟ فالتفكير في الغد أمر طبيعي وفطرة بشرية، والتخطيط ومحاولة تفادي المشكلات قدر المستطاع أمر طبيعيً بل ويرقى الى الضرورة.
فالغد آت لا محالة، حاملًا معه ما قدّر الله له أن يحمل، ونحن لا نملك مفاوضته فيما يحمل لنا قبل مجيئه، لكننا نملك أن ندرب أنفسنا كيف نستعد لمواجهته وتوقع مفاجآته، ونتسلح بالوعي والفهم وكيفية التعامل مع المواقف، والتكيف مع كل الظروف.
وعلينا أن ندرك أن الإفراط في التفكير والتدبير لا يجعلنا آمنين تمامًا، ولن يوصلنا إلى السعادة والطمأنينة المطلقة.
فاهدأ.. لا تحمل همّ غدٍ لم يأتِ، ولا تنزع من قلبك سكينته، ولا ترسم في مخيلتك أوهامًا ربما قد لا تحدث أصلًا فتكون قد خسرت يومك وغدك.
أما الليلة، فاطرد ذلك الضيف، وسدّ عليه منافذ العبور. وتجاوز الثرثرة الصامتة التي تقلقك، وتنزع عنك صفو نفسك، فالأقدار حكمتها، ولله تدبيره. فما كُتب لك سيأتيك، وما لم يُكتب لك لن تناله ولو أقلقك ألف مرة (ما أصابك لم يكن ليخطئك).
فاطمئن.. قد يأتي الغد بما لم يخطر لك على بال، وقد يحمل بين طياته جوابًا طال انتظاره، وأملا طالما تمنيته، فيكون خير مما توقعت، فعند الله الكثير، وعطاؤه لا ينضب.
ودع ليلتك للسكينة.. وأنعم بهدوئها.. فلله تدبيره.