هل بورصة عمّان مرآة للاقتصاد؟
د.عدلي قندح
04-10-2026 08:48 AM
عندما نصف أداء بورصة عمّان، نلجأ عادة إلى مؤشرات مألوفة: الرقم القياسي، والقيمة السوقية، وحجم التداول، والسيولة، وعدد الشركات المدرجة وأرباحها. وهي مؤشرات أساسية لقياس أداء السوق، لكنها لا تجيب عن سؤال مختلف وأكثر ارتباطاً بالتنمية الاقتصادية: إلى أي مدى تمثل البورصة الاقتصاد الذي تعمل داخله واتجاه تحوله؟
السؤال يكتسب أهمية أكبر في ضوء الأداء القوي للسوق. ففي عام 2025 ارتفع المؤشر العام لبورصة عمّان بنسبة 45.1%، والقيمة السوقية بنسبة 50.1% إلى نحو 26.5 مليار دينار، فيما ارتفع حجم التداول بنسبة 80.6%. واستمر الاتجاه الإيجابي في 2026، لتصل القيمة السوقية في نهاية أيلول إلى نحو 30.3 مليار دينار. هذه نتائج مهمة، لكنها تخبرنا أساساً بأن السوق أصبحت أكبر وأكثر نشاطاً. أما ما لا تخبرنا به وحدها فهو ما إذا كانت الهوية الاقتصادية للسوق تتغير بالتوازي مع تحول الاقتصاد الحقيقي.
البورصة ليست نسخة مصغرة عن الاقتصاد
لا يفترض أن تتطابق التركيبة القطاعية للبورصة مع التركيبة القطاعية للناتج المحلي. فالقطاع قد يكون كبيراً في الاقتصاد، لكنه يتكون من شركات صغيرة أو خاصة وغير مدرجة، بينما تستطيع شركات مدرجة كبيرة أن تمنح قطاعاً آخر وزناً سوقياً يفوق حصته في الناتج. لذلك، فإن مقارنة الوزن القطاعي في الناتج المحلي بالوزن في القيمة السوقية بصورة ميكانيكية قد تكون مضللة.
لكن عدم ضرورة التطابق لا يلغي أهمية العلاقة. فمع تطور الاقتصاد وظهور قطاعات وقدرات إنتاجية ونماذج أعمال جديدة، يصبح السؤال هو ما إذا كانت سوق رأس المال تستوعب جانباً معقولاً من هذا التحول، أم أن بنيتها تتحرك بوتيرة أبطأ من بنية الاقتصاد الحقيقي. وهنا ننتقل من قياس حجم السوق إلى قياس تمثيلها الاقتصادي.
30 مليار دينار... لكن ماذا يوجد داخلها؟
تكشف بيانات أيلول 2026 عن صورة تستحق التوقف. فمن أصل قيمة سوقية إجمالية تبلغ نحو 30.3 مليار دينار، تبلغ القيمة السوقية لقطاع البنوك نحو 12.1 مليار دينار، أي قرابة 39.9%، فيما تبلغ قيمة الصناعات الاستخراجية والتعدينية نحو 12.34 مليار دينار، أو 40.7% من إجمالي السوق.
وعلى مستوى الشركات، تبلغ القيمة السوقية لمناجم الفوسفات الأردنية نحو 8 مليارات دينار، والبنك العربي نحو 4.73 مليارات، والبوتاس العربية نحو 4.22 مليارات. وبذلك تمثل الشركات الثلاث وحدها نحو 55.9% من القيمة السوقية للبورصة، بينما تستحوذ أكبر عشر شركات على نحو 78.6%. ولا تمثل هذه الأرقام حكماً سلبياً على السوق؛ بل تعكس وجود شركات وطنية كبيرة وناجحة. لكنها توضح الفرق بين كبر حجم السوق وتنوع قاعدتها الاقتصادية.
فالسوق يمكن أن ترتفع بقوة نتيجة زيادة تقييم الشركات القائمة، من دون أن يتغير بالقدر نفسه تركيب الشركات والقطاعات التي تمثلها. وهنا يمكن التمييز بين النمو الرأسي للسوق، الناتج عن ارتفاع قيمة الشركات الموجودة، والتطور الهيكلي للسوق، الذي يحدث عندما تتسع أيضاً قاعدة الشركات والقطاعات والقدرات الإنتاجية الممثلة فيها.
أين القطاعات الصاعدة؟
تزداد أهمية هذه المسألة عندما ننظر إلى القطاعات المرتبطة بالاقتصاد القائم على المعرفة والتكنولوجيا والقيمة المضافة. ففي نهاية أيلول 2026 لم تتجاوز القيمة السوقية لقطاع التكنولوجيا والاتصالات نحو 773 مليون دينار، أي قرابة 2.6% من السوق، بينما بلغت قيمة قطاع الأدوية والصناعات الطبية نحو 174 مليون دينار، أو قرابة 0.6%. ولا يعني ذلك أن وزن التكنولوجيا أو الأدوية يجب أن يصل إلى نسبة محددة، أو أن الوزن الكبير للبنوك والتعدين يمثل مشكلة. فلكل اقتصاد خصائصه ومزاياه النسبية. لكن الفارق يطرح سؤالاً هيكلياً مشروعاً: هل تتطور تركيبة سوق رأس المال بالسرعة والاتجاه نفسيهما اللذين تتطور بهما مصادر القيمة والنمو في الاقتصاد؟ هذه هي فجوة التمثيل الاقتصادي التي لا تظهر في الرقم القياسي أو القيمة السوقية وحدهما.
التنوع أعمق من عدد القطاعات
وجود شركات موزعة على عدد كبير من القطاعات لا يعني بالضرورة وجود تنوع اقتصادي فعلي. فالتنوع الحقيقي يتعلق بكيفية توزيع القيمة السوقية والسيولة والأرباح بين الشركات والقطاعات. وعندما تستحوذ ثلاث شركات على نحو 56% من السوق، وأكبر عشر شركات على قرابة 79%، يصبح عدد القطاعات وحده مقياساً غير كافٍ للتنوع. والتركيز ليس سلبياً بالضرورة؛ فكثير من الأسواق العالمية تضم شركات عملاقة ذات أوزان كبيرة. لكن قياسه يصبح مهماً لفهم مدى اعتماد السوق على عدد محدود من مصادر القيمة والنمو، ومدى قدرتها على استيعاب مصادر جديدة مستقبلاً.
القيمة السوقية لا تكشف الروابط الاقتصادية
هناك بعد آخر لا يظهر في المؤشرات التقليدية: روابط الشركات المدرجة ببقية الاقتصاد. فشركة صناعية تعتمد على موردين محليين، وتستخدم خدمات النقل والتكنولوجيا والتمويل والتأمين، وتصدر جزءاً من إنتاجها، يمكن أن يكون أثرها الاقتصادي أوسع كثيراً من قيمتها السوقية المباشرة. وبالمثل، قد تكون شركة تكنولوجية صغيرة نسبياً من حيث الأصول، لكنها تسهم في رفع إنتاجية قطاعات أخرى ونقل المعرفة والرقمنة إليها. لذلك، فإن هوية السوق لا تتحدد فقط بالسؤال: ما القطاعات المدرجة؟ بل أيضاً: كيف ترتبط هذه الشركات ببقية الاقتصاد، وما القيمة التي تنقلها إليه؟
التعقيد والإنتاجية
لا تتساوى الأنشطة الاقتصادية من حيث المعرفة والتكنولوجيا والقدرات الإنتاجية التي تتطلبها. ولذلك ينبغي أن يمتد تحليل السوق إلى مدى حضور الشركات ذات القيمة المضافة والمحتوى المعرفي والتكنولوجي المرتفع. وهنا يظهر بُعد التعقيد الاقتصادي. أما الاختبار الأعمق فهو الإنتاجية؛ لأن التحول الاقتصادي المستدام لا يقوم على ارتفاع أسعار الأصول فقط، وإنما على إنتاج قيمة أكبر باستخدام الموارد ورأس المال بكفاءة أعلى. ومن هذه الزاوية، تؤدي سوق رأس المال وظيفتها الاقتصادية بصورة أعمق عندما تساعد في توجيه المدخرات نحو الشركات الأكثر قدرة على الابتكار والتوسع ورفع الإنتاجية، أي عندما تحسن تخصيص رأس المال وليس فقط تداوله.
خمس زوايا لقراءة هوية السوق
يمكن، بناءً على ذلك، قراءة الهوية الاقتصادية لسوق رأس المال من خلال خمسة أبعاد مترابطة: الهيكل القطاعي، والروابط الاقتصادية، والتنويع، والتعقيد الاقتصادي، والإنتاجية. فالهيكل يبين طبيعة القطاعات والشركات التي تمثلها السوق؛ والروابط تقيس اتصالها ببقية الاقتصاد؛ والتنويع يكشف درجة توزيع القيمة والنشاط؛ والتعقيد يعكس نوعية المعرفة والقدرات الإنتاجية التي تحملها الشركات؛ بينما تختبر الإنتاجية مدى ارتباط رأس المال بالقدرة على خلق قيمة اقتصادية بكفاءة أعلى. وهذه الأبعاد لا تستبدل مؤشرات السوق التقليدية، وإنما تضيف إليها مستوى آخر من التحليل.
من قياس الأداء إلى قياس الهوية
الأرقام الأخيرة تقدم مثالاً واضحاً على الحاجة إلى هذا التمييز. فقد تجاوزت القيمة السوقية لبورصة عمّان 30 مليار دينار، واستمر المؤشر والتداول في تحقيق أداء قوي. وفي الوقت نفسه، تكشف تركيبة السوق عن مستويات مرتفعة من التركّز وتفاوت كبير في الأوزان القطاعية. إذن يمكن للسوق أن تكون قوية الأداء مالياً، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى قراءة مختلفة لمدى تمثيلها للتحول الهيكلي في الاقتصاد. ولا يوجد تناقض بين الأمرين.
لدينا أدوات جيدة لقياس أداء السوق: المؤشر، والقيمة السوقية، والتداول، والسيولة، والعوائد. لكننا أقل قدرة على اختزال العلاقة بين البورصة والاقتصاد الحقيقي في أداة تقيس ما تمثله السوق داخل الاقتصاد، وكيف تتغير هذه الهوية بمرور الزمن.
ومن هنا جاءت فكرة تطوير مؤشر الهوية الاقتصادية للسوق (Market Economic Identity Index – MEII)، كإطار يضيف إلى المؤشرات المالية التقليدية بعداً يتعلق بدرجة التوافق بين بنية سوق رأس المال والبنية الإنتاجية والهيكلية للاقتصاد الحقيقي. ويأتي هذا المؤشر امتداداً تطبيقياً لفكرة مؤشر الهوية الاقتصادية العالمي (Global Economic Identity Index – GEII) الذي أطلقناه قبل أسابيع لقراءة الهوية الهيكلية للاقتصادات وتحولها عبر الزمن. فإذا كان GEII يحاول الإجابة عن سؤال: ما الهوية الاقتصادية التي تتشكل للاقتصاد؟
فإن MEII ينتقل بالسؤال إلى سوق رأس المال: إلى أي مدى تعكس البورصة هذه الهوية والتحولات الجارية فيها؟ وبذلك تتكامل الأداتان: GEII لقراءة التحول الهيكلي في الاقتصاد، وMEII لقياس مدى تمثيل سوق رأس المال لهذا التحول. فالهدف ليس أن تكون البورصة مرآة مطابقة للاقتصاد؛ فهذا غير ممكن ولا مطلوب. السؤال الأكثر دقة هو: إلى أي مدى تعكس سوق رأس المال اتجاه تحول الاقتصاد، وتستوعب قدراته الإنتاجية الجديدة، وتساعد في توجيه رأس المال نحوها؟ وهذا هو السؤال الذي يسعى مؤشر الهوية الاقتصادية للسوق (MEII) إلى تحويله من فكرة تحليلية... إلى أداة قابلة للقياس.