facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




المعلّم انه حارسًا للمعرفة وناقلًا للخبرة وراعيًا للهوية وصانعًا للأجيال


د. بركات النمر العبادي
06-10-2026 10:56 PM

في يوم المعلّم ، لا يليق بنا أن نحتفي بمهنةٍ فحسب ، بل أن نتوقف أمام رسالة من أعمق الرسائل الإنسانية أثرًا وأبعدها مدى. فالمعلّم ليس موظفًا ينتهي دوره بانتهاء الحصة ، ولا ناقلًا لمعلومات يمكن أن تستبدلها شاشة أو محرك بحث، وإنما هو الإنسان الذي يقف في المنطقة الفاصلة بين المعرفة والإنسان ؛ يأخذ بيد جيلٍ كامل من عالم الطفولة إلى رحاب الوعي، ومن السؤال الأول إلى القدرة على الفهم ، ومن المعرفة إلى المسؤولية.

ومن هذه الزاوية، يصبح التعليم قضية وطنية تتجاوز المدرسة إلى فلسفة الدولة والمجتمع. فالأمم لا تصنع مستقبلها بالموارد الطبيعية وحدها، ولا بما تشيده من مبانٍ ومؤسسات، وإنما بالإنسان الذي يستطيع أن يحفظ ما أنجزته الأجيال، وأن يضيف إليه، وأن ينقله إلى من يأتي بعده.

واذا ما نظرنا الى التعليم بوصفه مشروعًا وطنيًا في الأردن على وجه الخصوص، تعد تجربة تستحق التأمل؛ فهذا البلد الذي لم يكن يملك وفرة الموارد استطاع أن يجعل من التعليم أحد أهم روافع بناء الدولة والمجتمع ، وأن يحول الإنسان المتعلم إلى أحد أهم موارده الوطنية.

ومن هنا جاءت مسيرة الاهتمام بالتعليم والإصلاح التربوي بوصفها مسيرة متراكمة، لم تكن وليدة لحظة واحدة، وإنما امتدت عبر عقود، وصولًا إلى مرحلة أصبح فيها السؤال لا يتعلق فقط بإتاحة التعليم، بل بجودته وقدرته على إعداد الإنسان لعالم يتغير بسرعة. وفي هذه المسيرة برز الدور الذي اضطلعت به جلالة الملكة رانيا العبدالله في دعم قضايا التعليم والإصلاح التربوي، من خلال مجموعة من المبادرات والمؤسسات والبرامج التي وضعت التعليم والمعلم في صميم الاهتمام العام.

ففي عام 2005 أطلقت مبادرة جائزة الملكة رانيا العبدالله للتميز التربوي، بهدف تقدير التربويين وتحفيز المتميزين منهم وترسيخ ثقافة الإبداع والتميز وإنتاج المعرفة ، وفي السياق نفسه، جاءت مبادرات الاهتمام بالتعليم المبكر وتطوير البيئة التعليمية؛ ففي عام 2005 افتُتحت صفوف رياض أطفال تجريبية في مدارس حكومية ضمن مسار إصلاح التعليم من أجل اقتصاد المعرفة، مع الاهتمام بالمناهج والبيئة التعليمية وتأهيل العاملين في مرحلة الطفولة المبكرة.

ثم اتسعت الرؤية من إصلاح بعض جوانب التعليم إلى النظر في المنظومة بأكملها. ففي عام 2013 تأسست مؤسسة الملكة رانيا للتعليم والتنمية بهدف دعم الإصلاح والسياسات التعليمية، وتشجيع البحث والمبادرات التي ترفع جودة التعليم وتمنح الأطفال والشباب المعارف والمهارات والقيم اللازمة لعالم سريع التغير.

ولعل إحدى أكثر المحطات دلالة كانت التأكيد المتكرر على أن إصلاح التعليم يبدأ من المعلم. ففي خطابها عند إطلاق الاستراتيجية الوطنية لتنمية الموارد البشرية عام 2016، شددت جلالة الملكة على أن رفع كفاءة المعلمين، قبل الخدمة وأثناءها، يمثل محورًا أساسيًا في الإصلاح، وفي عام 2017 تخرجت أول دفعة من برنامج الدبلوم المهني لإعداد المعلمين في أكاديمية الملكة رانيا للمعلمين، في خطوة استهدفت الارتقاء بالتدريس من مجرد وظيفة إلى مسار مهني قائم على التأهيل والتطور المستمر.

وهذه المحطات ليست مجرد تواريخ في سجل الإصلاح التعليمي؛ إنها تعكس تحولًا مهمًا في النظرة إلى التعليم: من الاهتمام بالمبنى إلى الاهتمام بالإنسان، ومن التركيز على المنهاج إلى التركيز على طريقة التعلم، ومن النظر إلى المعلم باعتباره منفذًا إلى النظر إليه باعتباره حجر الزاوية في العملية التعليمية.

وقد اهتم الفكر المحافظ بالمعلم و التعليم ، فإن للمعلم وظيفة تتجاوز نقل المعرفة إلى نقل الخبرة والقيم واستمرار الذاكرة الاجتماعية.فالمحافظة، في معناها الفكري الرصين، لا تعني الوقوف ضد التغيير، ولا تقديس الماضي لمجرد أنه ماضٍ؛ وإنما تعني إدراك أن المجتمعات لا تستطيع أن تدخل المستقبل إذا قطعت جذورها. ومن هنا فإن المعلم يعد واسطة بين الأجيال. يحمل شيئًا من تجربة المجتمع، ويضعه في يد الجيل القادم، لكنه لا يسلّمه الماضي كما هو؛ بل يعلمه كيف يفهمه، وكيف يميز بين ما ينبغي حفظه وما ينبغي تطويره.
فالمجتمع المحافظ لا يريد من المدرسة أن تنتج إنسانًا معزولًا عن عصره، كما لا يريد لها أن تنتج إنسانًا مقطوع الصلة بجذوره. إنه يريد إنسانًا حديثًا في أدواته، أصيلًا في هويته، واسعًا في معرفته، راسخًا في قيمه.

ومن منظور محافظ أيضًا، لا يمكن تحميل المعلم وحده مسؤولية صناعة الأجيال. فالمدرسة ليست بديلًا عن الأسرة، والمعلم ليس بديلًا عن الأب والأم، والدولة ليست بديلًا عن المجتمع. إن التربية الحقيقية تقوم على تكامل المؤسسات : أسرة تغرس، ومدرسة تهذب وتعلّم ، ومجتمع يحمي القيم ، ودولة توفر البيئة والعدالة والموارد. وحين يختل هذا التوازن، تتحول المدرسة إلى مؤسسة مطالبة بأن تعالج وحدها مشكلات الأسرة والمجتمع والاقتصاد والثقافة والإعلام.

ومن هنا فإن تكريم المعلم لا يكون بالكلمات الجميلة في يوم واحد من السنة ، وإنما بمنحه المكانة التي يستحقها ، وتأهيله بصورة مستمرة ، وتوفير البيئة المهنية التي تمكنه من أداء رسالته، وحماية هيبة المدرسة ، وإعادة الاعتبار للانضباط والمسؤولية ، والاستماع إلى صوت المعلمين عند تطوير السياسات التعليمية.


المعلم لا يبني جدارًا يراه الناس، ولا يشيد طريقًا يعرف الجميع من بناه، وإنما يبني شيئًا أكثر خفاءً وأشد بقاءً: يبني الإنسان. وهنا تكمن عظمة المهنة. ولذلك فإن يوم المعلم ليس مناسبة لشكر المعلمين فحسب، بل مناسبة لمراجعة علاقتنا نحن بالمعرفة ، وبالمدرسة، وبالأسرة، وبالمستقبل.

وفي الأردن، حيث كان الإنسان ولا يزال رأس المال الأهم، تصبح العناية بالمعلم استثمارًا في الدولة نفسها؛ لأن الدولة التي تريد مؤسسات قوية تحتاج إلى مواطنين أقوياء في وعيهم، متماسكين في هويتهم، قادرين على التفكير، ومؤمنين بأن العلم مسؤولية قبل أن يكون امتيازًا.

وفي هذه المعادلة، يبقى المعلم في قلب المشهد.
كل عام ومعلمو الأردن بخير؛ أولئك الذين يحملون على أكتافهم جزءًا من ذاكرة الوطن، وفي أيديهم مفاتيح مستقبله.

فإذا كان البناء يبدأ بحجر، فإن بناء الأوطان يبدأ بالإنسان؛ وإذا كان الإنسان ابن أسرته وبيئته، فإن المدرسة هي إحدى أهم المحطات التي يتعلم فيها كيف يكون إنسانًا قادرًا على أن يحمل وطنه إلى الغد. ولذلك سيبقى المعلم، مهما تغيرت الأدوات وتبدلت المناهج وتقدمت التكنولوجيا، أحد أعمدة الحضارة التي لا تستغني عنها الأمم: حارسًا للمعرفة ، وناقلًا للخبرة ، وراعيًا للهوية ، وصانعًا للأجيال.

حمى الله المملكة الاردنية الهاشمية من كل كريهة

*حزب المحافظين الاردني/ الامين العام المساعد للتثقيف الحزبي





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :