facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الأردن في خريطة المعرفة العربية .. من وفرة النشر إلى صناعة الأثر


فيصل تايه
08-10-2026 09:15 AM

ما يلفت في التقرير الذي نشرته "الجزيرة" حول نتائج "آرسيف ٢٠٢٦" أنه لا يتعامل مع المشهد البحثي العربي بوصفه مجرد سباق أرقام، بل يضع أمام القارئ صورة أوسع لحركة المعرفة العربية: أكثر من مليون بحث، وآلاف المجلات، ومئات الآلاف من المؤلفين، وإنتاج علمي يتسع حضوره عاماً بعد عام.

ومن داخل هذه الصورة العربية الواسعة، يبرز الأردن خامساً في عدد المجلات العلمية المعتمدة، وخامساً أيضاً في عدد المؤلفين المستشهد بإنتاجهم.

وقد يبدو أن الخبر مجرد رقم جديد في سباق الترتيب العربي. لكن الأرقام، حين تُقرأ خارج لغة الترتيب، تقول شيئاً أبعد بكثير؛ فهي لا تخبرنا فقط أين يقف الأردن في الخريطة البحثية العربية، بل تكشف كيف تتغير هذه الخريطة نفسها، وكيف انتقل السؤال خلال عقد واحد من حجم ما ننتجه من معرفة إلى مقدار ما تستطيع هذه المعرفة أن تتركه من أثر.

وراء المرتبة الخامسة (٤٥) مجلة أردنية معتمدة، وأكثر ٧ آلاف مؤلف استُشهد بإنتاجهم. وهذه النتيجة ليست وليدة عام واحد، بل حصيلة تراكم جامعات وباحثين ومجلات وتجارب أكاديمية، وتطور في التحكيم والنشر والفهرسة، وتنامٍ في ثقافة البحث العلمي. وفي المشهد العربي الأوسع، يرصد "آرسيف" أكثر من ٥,٦٠٠ مجلة، ويتيح تتبع حركة الإنتاج العلمي والاستشهاد به، في صورة تكشف أن المعرفة العربية لم تعد إنتاجًا متفرقاً يصعب قياسه، بل أصبحت كتلة بحثية واسعة يمكن قراءة تطورها.

واللافت أن هذا التحول لم يكن بطيئاً؛ فخلال عقد ارتفع عدد المجلات المعتمدة بنسبة ٣٧٩%، والمقالات المفحوصة بنسبة ٩٧٨%، وقفز عدد المؤلفين المستشهد بإنتاجهم بنسبة ٨,٢٨٢ %. أرقام تقول إن ثقافة النشر العلمي العربي قطعت مسافة كبيرة. لكنها في الوقت نفسه تضعنا أمام سؤال أكثر صعوبة: ماذا يفعل كل هذا الإنتاج؟

فالاستشهاد العلمي مؤشر مهم على تداول المعرفة وحضورها، لكنه ليس حكمًا نهائياً على قيمتها. أهميته أنه يكشف أن البحث لم ينته عند صاحبه أو عند صفحات المجلة، بل وصل إلى باحث آخر ودخل في مسار علمي يمكن أن يُبنى عليه. أما القيمة الأبعد فتبدأ عندما تنتقل المعرفة من دوائر البحث إلى دوائر الفعل.

وهنا تصبح نتيجة الأردن أكثر من مجرد مرتبة. فالقاعدة البحثية التي صنعتها الجامعات والباحثون خلال سنوات تتيح فرصة حقيقية للانتقال إلى مرحلة جديدة: أن يصبح البحث أكثر اتصالاً بمشكلات التعليم والاقتصاد والتكنولوجيا وسوق العمل، وأن تتسع الشراكات بين الجامعة والمؤسسات، وأن يجد البحث التطبيقي ما يحتاجه من تمويل ومختبرات ووقت.

وهذا الانتقال يتطلب إعادة النظر في فلسفة تمويل البحث العلمي؛ بحيث لا يبقى الاستثمار في المعرفة أسير الموازنات الحكومية والأكاديمية، بل تمتد الحوافز لتشجيع القطاع الخاص والشركات الكبرى على الاستثمار في المراكز البحثية الوطنية، وتوجيه أبحاثها نحو تحديات الصناعة والخدمات والتكنولوجيا.

فالمشكلة ليست دائماً في قدرة الباحث على النشر، وإنما في البيئة التي تحدد ما الذي يستحق أن يُبحث، وما الذي يحدث بعد نشره. وإذا كانت الحوافز الأكاديمية تكافئ عدد الأوراق أكثر مما تكافئ أثرها، فمن الطبيعي أن يتحول النشر أحياناً إلى غاية في ذاته. أما المنظومة الأقوى فهي التي تجعل البحث وسيلة لفهم مشكلة، ثم اختبار حل، ثم تحويل النتيجة إلى قيمة يمكن أن يلمسها المجتمع.

وهنا يبدأ دور التعليم قبل أن يبدأ دور المجلة. فالجامعة المنتجة للمعرفة لا تُخرج طالباً يعرف الإجابة فقط، بل عقلاً يعرف كيف يصوغ السؤال ويمتحن الدليل ويعيد النظر في الفكرة. ثقافة البحث لا تبدأ عند إعداد الرسالة الجامعية؛ إنها تبدأ من الصف، من الطريقة التي نعلّم بها أبناءنا التفكير.

وإذا استطاع الأردن تحويل هذا الرصيد البحثي إلى معرفة تُنتج حلولًا وسياسات قابلة للتبادل، فإنه يمتلك فرصة لبناء "دبلوماسية معرفية" تعزز حضوره التنويري، وتجعل من خبرته البحثية مصدر إلهام لتطوير التعليم والتنمية وبناء القدرات في المنطقة.

ولذلك فإن قيمة "آرسيف ٢٠٢٦" بالنسبة إلى الأردن ليست في أن نحتفل بالمرتبة الخامسة ثم نعود إلى الأرقام نفسها في العام المقبل. قيمته أنه يمنحنا صورة عن المسافة التي قطعناها، ويتيح لنا أن نسأل بوضوح عن المسافة التي ما زالت أمامنا.

لقد نجحنا في بناء حضور بحثي يمكن رصده وقياسه، والمرحلة المقبلة ينبغي أن تكون أصعب وأكثر أهمية: بناء أثر يمكن رؤيته.

في المدرسة، وفي المختبر، وفي الصناعة، وفي السياسات العامة، وفي حياة الناس.

فالمعرفة التي تُنشر تُضيف إلى الرصيد العلمي، والمعرفة التي يُبنى عليها تُضيف إلى الرصيد الحضاري، أما المعرفة التي تغيّر الواقع، فهي التي تتحول إلى قوة.

ولهذا، ربما لم يعد السؤال: كم نكتب؟ بل: ماذا يفعل ما نكتب؟





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :