الأردن على خط النمو السريع
د. جواد العناني
09-10-2026 11:49 PM
أحسنت حكومة الدكتور جعفر حسان صنعاً حين أخذت قرارين جريئين: الأول منع تدخين الأرجيلة في المنتزهات والغابات، والثاني منع بيع السجائر للقاصرين. و هذان قراران لو تعمقنا فيهما فإنهما بتقديري يعنيان تجديدا في تفكير الحكومة نحو الرفاه بدلا من فك عسرتها المالية في المدى القصير.
وتُحدثنا نظرية "الدورات الاقتصادية" أن الإقبال على المقاهي والمشروبات والمخدرات والأراجيل يزداد في فترة التراجع أو الركود العميق، أي أن الإقبال على هذه الأمور هو مضاد للدورة الاقتصادية أو ما يسمى (Counter-cyclical)
وقد سمحت الحكومات المتعاقبة بانتشار المقاهي والأراجيل والسجائر والكحول والمشروبات الغازية لأنها تستطيع أن تفند موقفها من رفع الضرائب والمكوس عليها بنسب مختلفة. وهكذا تبدو وكأنها الحكومة تحارب متعاطي هذه المواد إلى الحد الذي يزيد من دخلها.
وفي هذا المجال فإن إيرادات الحكومة من الهواتف النقالة، والمشتقات النفطية والسجائر والتبغ والكحوليات والمشروبات الغازية تصل إلى (4) مليار دينار سنوياً، و تعد بالزيادة في المستقبل.
ولهذا، فإن منع استخدام الأرجيلة في المتنزهات والحدائق العامة هو خطوة في بداية الطريق، وذلك لأن تحديد أو منع التدخين بهذا الشكل لن يقلل من الطلب أو من الرسوم الحكومية والضرائب المتحققة عليها.
ولكن الفوائد الضريبية المتحققة في المدى القصير تخفي في المدى الطويل بلايين الدنانير التي ستنفقها الموازنة العامة على الأمراض الخطيرة الناجمة عن ترك الحبل على الغارب للتدخين والشراب وغيرهما.
وهنالك أمراض السرطان، والسكر، والبدانة، وهشاشة العظام والجلطات القلبية والذبحات الصدرية ، هذه كلها سوف ترفع موازنة قطاع الصحة إلى أضعاف ما هي عليه، ولربما تصل الإيرادات إلى نسبة قليلة من كلف العلاج .
وننسى أن الإدمان عليها سيصب في موازنة مؤسسة الضمان سلباً عندما تكثر الامراض بين المؤَمن عليهم، وتنخفض الإنتاجية.
إذن فالقرار صحيح ويصب مباشرة في مصلحة النظرة المتوازنة نحو النمو الاقتصادي الكلي، وهذا أمر حميد.
ولتنفيذ قراراتنا بدءاً من إعداد الموازنة العامة إلى تفعيل العلاقات بين دوائر صنع القرار - أو تنفيذه - يسهم في تحقيق الاهداف التنموية ، ويخلق طاقة خلاقة إضافية ليتعمق النمو واستدامته وحسن توزيعه وتجعل الاقتصاد أقدر على التكيف مع المستجدات الاقتصادية والتحديات الجيوسياسية والحروب التي تلازم منطقتنا لسنوات، مما يجعل الأردن واحة للاستثمار واستقبال رؤوس الأموال.
وإذا كان هناك حديث عن التحول من النموذج الاقتصادي الذي يركز على المدى القصير إلى النموذج الاقتصادي القائم على ثوابت أساسية نقول إننا بالرغم من هذه التحديات والتوترات القصيرة قادرون على التخطيط للمدى الطويل و هو قرار استراتيجي هام او ما يسمى (Paradigm shift).
و هكذا نكون قد انتقلنا إلى دولة راسخة الأركان لها وزنها وتأثيرها وجاذبيتها.
والسؤال الذي يجب أن نجابهه الآن: هل تخدم الظروف المتقلبة حالياً هدف الأردن بجعله قبلة للمستثمرين الجادين؟ و هنالك مؤشرات إيجابية استقيها مما يقوله الوزراء ورئيس الوزراء.
فقد أبلغنا رئيس الوزراء أن تمويل مشروع الناقل الوطني قد اكتمل تقريباً بعدما قدمت الولايات المتحدة مليار دولار لتمويله، ووعدت بتقديم تسهيلات أخرى يمكن أن تصل إلى ثمانمائة مليون دولار.
وهذا المشروع الكبير سيحول الأردن إلى بلد منتج للماء، وهو أخطر نقص ينغص المعيشة إن لم يتوفر .
وبالطبع فإن خبراء المياه يقولون أن هنالك بدائل أرخص، ولكن الحاجة للماء على مدى عشر السنوات القادمة تتطلب الناقل وغيره من المشروعات المائية الكبرى، ولا داعي لكثرة النقاش في هذا الموضوع .
وكذلك أبلغنا وزير الاستثمار أن الحكومة قد أعدت مشروعات بقيمة خمسة عشر مليار دولار ستطرح في مؤتمر الاستثمار الأوروبي الأردني في الأيام المقبلة القريبة، وهذا المبلغ لو تحقق، فإنه يشكل إضافة ذات قيمة عالية على معدلات النمو وتخفيض البطالة ، ونحن قادرون في الأردن على أن ننتج سيارات ذات نوعية عالية وبكلفة معقولة قياساً إلى نفس الكلفة في أوروبا.
وتفتح صناعة السيارات الأبواب على صناعات محلية كثيرة مثل البطاريات (لدينا ليثيوم)، ونستطيع استخدام الطاقة المتجددة (الشمسية)، ولدینا صناعات أثاث وإكسسوارات تجعل القيمة المضافة الناتجة عن تركيب السيارات وتصنيع بعض قطعها كبيرة.
وافتتح جلالة الملك عبد الله الثاني مشروع سكة حديد "البحر الميت/ الشيدية / العقبة" بكلفة (2.5) مليار دولار و هكذا نكون قد حطمنا ذلك الطلسم الذي أجل تنفيذ هذا المشروع لفترة طويلة.
و إذا تعاونت شركتا الفوسفات والبوتاس في انتاج سلع مشتركة ذات مردود عال ، فإن هذا سيفتح علينا أبواباً كثيرة من الرزق الوفير.
وإذا نجحنا أن نكون منطقة أساسية في سلسلة التوريد الدولية - وبنينا مناطق لوجستية للتخزين والنقل والمحاسبة المالية ، فإننا سنخلق لشبابنا عشرات الألاف من فرص العمل في مجالات الذكاء الاصطناعي، و التدفقات النقدية، والمحاسبة والنقل والتخزين وإدارة المخازن، وغيرها من الوظائف ذات الصلة.
وهنالك دلائل على جاهزية بعض المناطق في الأردن لهذه الغاية.
وتنظيمياً، بدأ الأردن في تحويل القطاع الزراعي إلى صناعة متكاملة عن طريق استخدام التكنولوجيات الحديثة في الزراعة، وإدخال مفهوم التعاقد مع المصانع الغذائية لتوفير أنسب السلع بالمواصفات التي يتطلبها صناع الغذاء و ستجعل اقبال الشباب على الزراعة اكبر بكثير من الحال الذي تعيشه الزراعة حاليا.
وهنالك تطوير في التعليم، وتقوم بعض الجامعات الأردنية بدور فعّال في هذا المجال مثل الجامعة الأردنية، وجامعة الأميرة سمية، وجامعة التكنولوجيا برعاية سمو الأمير الحسين ولي العهد، والجامعة الألمانية، وغيرها بدرجات أقل.
إذا نهضنا بالتعليم بحيث تقل كلفة إعداد الخريجين حتى يكونوا عاملين منتجين ، فإننا سنرفع قدراتنا تنافسياً بقدر كبير
ولا يقتصر الأمر عند هذه الإجراءات الداخلية، بل إن تقلبات السياسة الخارجية في المنطقة أثبتت بشكل لا يرقى إليه شك أن المملكة الأردنية الهاشمية قد أصبحت محط الأنظار.
فالولايات المتحدة التي سحبت قواتها من العراق (ليس واضحاً لماذا) قد بدأت تفكر في إيجاد مكان لتتمكن من الدفاع عن مصالحها وأين سيكون هذا المكان خارج منطقة الخليج؟ لو حللنا الأمر لرأينا أن
عملية الاختزال للبدائل المتاحة أو ما يسمى (Process of elimination) لا تبقي إلا بديلاً واحداً وهو الأردن.
ولذلك رأينا أن أعداداً متزايدة من مدراء الشركات الكبرى في الولايات المتحدة بدأت تنظر للأردن كشريك استثماري بجدية مطلقة.
وينطبق نفس التحليل على أوروبا والتي ذكرنا أنها مهتمة بالاستثمار في الأردن
وهذا أيضاً ينطبق على الصين والهند،وذلك لأن هذين الاقتصادين سوف يحتاجان المرور والإنتاج عبر الأردن و فيه .
وإذا كنا طرفاً مهماً كما ينص مشروع الطريق و الحزام الصيني)، ومشروع المبادرة الهندية الشرق أوسطية (AMEC)، فإن الأردن سيصبح نقطة ارتكاز اقتصادية إقليمية ودولية.
ولهذا فإنني سأجرؤ على القول والتنبؤ بأن الاقتصاد الأردني سيتعافى بشكل أفضل خلال العام 2027، وقد يصل معدل النمو إلى اكثر 4.0%، ومن بعدها سيبدأ النمو في كسر حاجز ال5.0% إلى 6.0% و7% حتى العام 2030 على الاقل .
نحن على عتبة مرحلة نمو جديدة، لا بد أن نستعد لها بالاستبشار والتفاؤل، وأن نعمل بكل جد على إنجازها، وهي فعلا فرصة ثمينة.
أنا واثق أن جلالة الملك والحكومة يدركان أهمية هذه المرحلة و يعملون بإمرة الملك على إنجازها.