facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




سدّ النهضة وأزمة مياه النيل: بين التنمية الإثيوبية والأمن المائي المصري


د.عبدالفتاح طوقان
10-10-2026 09:02 AM

الخصوصية الأفريقية وأزمات المياه والكهرباء مفتاح الاستقرار، ولكن تختلف القارة الأفريقية عن كثير من مناطق العالم في أن مواردها المائية والطاقة موزعة بصورة غير متوازنة. فإثيوبيا تملك أمطاراً غزيرة ومصادر مائية مرتفعة، لكنها تعاني تاريخياً من ضعف إنتاج الكهرباء؛ بينما تقع مصر والسودان في أسفل حوض النيل وتعتمدان بدرجات كبيرة على تدفقه المنتظم.

لذلك يحمل سدّ النهضة معنيين متعارضين: فهو بالنسبة لإثيوبيا مشروع تنموي وسيادي لتوليد الكهرباء، وبالنسبة لمصر والسودان قضية تتعلق بالأمن المائي وسلامة السدود واستمرار الزراعة. وتزداد المشكلة تعقيداً بسبب الفقر، والنمو السكاني، وتغير المناخ، وضعف شبكات الكهرباء والمياه في عدد من دول الحوض.

ولفهم ذلك لابد من فهم طبيعه حوض النيل واحتياجاته المائية حيث يتكون النيل أساساً من النيل الأبيض والنيل الأزرق، ويلتقيان في الخرطوم. ويأتي الجزء الأكبر من مياه الفيضان السنوي من النيل الأزرق، الذي ينبع من إثيوبيا، في حين يوفر النيل الأبيض تدفقاً أكثر انتظاماً لكنه أقل تقلباً وأقل مساهمة في فيضانات النيل.

تحصل مصر، وفق اتفاقية عام ١٩٥٩ مع السودان، على ٥٥،٥ مليار متر مكعب سنوياً، ويحصل السودان على ١٨،٥ مليار متر مكعب. وترفض إثيوبيا اعتبار هذه الاتفاقية ملزمة لها لأنها لم تكن طرفاً فيها، وتقول إن من حقها استخدام مواردها المائية في التنمية. وتواجه مصر فجوة مائية متزايدة بسبب ارتفاع عدد السكان، وتوسع المدن، وزيادة الطلب الزراعي والصناعي، بينما تواجه إثيوبيا نقصاً واسعاً في الكهرباء؛ ولهذا صُمم السد أساساً لتوليد الطاقة وليس لري مساحات زراعية ضخمة.

وبالعودة إلى تاريخ سدّ النهضة نجد انه بدأت إثيوبيا بناء السد في عام ٢٠١١ على النيل الأزرق بالقرب من الحدود السودانية، وأطلقت عليه أولاً اسم “سد الألفية” ثم “سد النهضة الإثيوبي الكبير”. بدأ ملء الخزان في يوليو ٢٠٢٠ وبدأ إنتاج الكهرباء في فبراير ٢٠٢٢؟ وأعلنت إثيوبيا اكتمال المشروع وافتتاحه رسمياً في سبتمبر ٢٠٢٥ بعد نحو أربعة عشر عاماً من بدء الإنشاء.

وتبلغ السعة التصميمية للخزان نحو ٧٤ مليار متر مكعب، بينما تتجاوز القدرة الكهربائية المستهدفة ٥ آلاف ميغاواط، مع اختلاف الأرقام المنشورة بين مراحل التصميم والتنفيذ. وتقدر تكلفة المشروع بأكثر من اربع مليارات دولار، وتذكر تقديرات أخرى رقماً يقترب من خمس مليارات دولار.

لماذا تعترض مصر والسودان؟ الحقيقة هي انه لا تعترض مصر على مبدأ توليد الكهرباء في إثيوبيا بقدر اعتراضها على ثلاثة أمور رئيسية:

- غياب اتفاق قانوني ملزم يحدد قواعد الملء والتشغيل في سنوات الجفاف.
- احتمال أن يؤدي الملء السريع إلى خفض المياه الواصلة إلى مصر والسودان مؤقتاً.
- غياب آلية واضحة للتعامل مع الجفاف الممتد أو الأعطال الفنية أو القرارات الإثيوبية المنفردة.

أما السودان فموقفه أكثر تعقيداً؛ إذ يمكن أن يستفيد من انتظام المياه وتقليل الفيضانات وتوفير الكهرباء، لكنه يخشى أيضاً من سلامة سدوده ومن تشغيل السد من دون تبادل معلومات وتنسيق يومي.

وفي عام ٢٠١٥ وقعت مصر والسودان وإثيوبيا “إعلان مبادئ” نص على التعاون وعدم التسبب في ضرر ذي شأن، لكنه لم يتحول إلى اتفاق تفصيلي ملزم بشأن التشغيل طويل الأمد.

والسؤال الذي يشغل بال الكثيرون هو تأثير السد على النيل الأزرق والنيل الأبيض

وهنا اولا النيل الأزرق:

التأثير المباشر يقع على النيل الأزرق، إذ يغير السد توقيت تدفق المياه من نظام فيضاني موسمي إلى تدفق أكثر انتظاماً. وقد تكون لذلك فوائد للسودان، مثل تقليل الفيضانات وتحسين تشغيل سدوده، لكن الفائدة أو الضرر يعتمدان على قواعد الملء والتشغيل والتنسيق مع سد الروصيرص وسد مروي والسد العالي.

كما يحتجز السد جزءاً كبيراً من الرواسب والطمي. وهذا قد يقلل ترسب الطمي downstream، ويؤثر في خصوبة بعض الأراضي وفي أنماط النحر والترسيب على مجرى النهر. لكن حجم التأثير النهائي لا يمكن تحديده بدقة من دون بيانات تشغيلية طويلة الأمد ودراسات مشتركة.

وثانيا النيل الأبيض

سد النهضة لا يقع على النيل الأبيض، ولذلك لا يغير منبعه أو تدفقه مباشرة. لكن بعد التقاء النيلين في الخرطوم، يمكن أن يؤثر انتظام تدفق النيل الأزرق في **التدفق الكلي لنهر النيل** وفي منسوب المياه جنوباً وشمالاً. ومن ثم فإن الحديث عن تأثير السد على النيل الأبيض يجب أن يكون غير مباشر، لا باعتباره سداً على مجراه.

وبخصوص مصر لا يعني السد بالضرورة اختفاء المياه عن مصر بعد اكتمال ملئه؛ فالسد الكهرومائي لا يستهلك المياه بصورة دائمة مثل مشروعات الري. لكن مصر قد تتضرر من:

- انخفاض مؤقت أو متكرر في التدفق أثناء سنوات الملء والجفاف.
- زيادة الاعتماد على مخزون السد العالي.
- تراجع إنتاج الكهرباء من السد العالي إذا انخفض منسوب بحيرة ناصر.
- تراجع المياه المتاحة للزراعة والصناعة ومياه الشرب.
- زيادة الملوحة في شمال الدلتا إذا انخفض تصريف المياه العذبة أمام تقدم مياه البحر.
- تغير حركة الطمي والنحر في مجرى النيل والدلتا.

درجة الضرر ليست رقماً ثابتاً؛ فهي تعتمد على الأمطار، وطول فترة الجفاف، وكمية المياه التي تطلقها إثيوبيا سنوياً، ومنسوب السد العالي في أسوان.

والسؤال الثاني من موّل سد النهضة؟

تقول المصادر المتاحة إن إثيوبيا اعتمدت بدرجة أساسية على **التمويل المحلي**، من خلال السندات الحكومية، وشراء المواطنين لها، وتبرعات الجاليات الإثيوبية، والضرائب، وحملات جمع الأموال. وتشير دراسات إلى أن مؤسسات التمويل الدولية تجنبت تمويل جسم السد مباشرة بسبب الخلافات القانونية والبيئية والسياسية.

اما القول إن دول الخليج، مثل الإمارات أو السعودية أو قطر، موّلت بناء السد بصورة مباشرة، فلا توجد في المصادر العلنية الموثوقة التي راجعتها أدلة قاطعة تثبت تمويلاً خليجياً مباشراً لجسم السد. وقد تكون بعض الدول الخليجية دعمت إثيوبيا سياسياً أو اقتصادياً أو استثمرت في قطاعات زراعية وموانئ وطاقة، لكن ذلك يختلف عن تمويل السد نفسه.

وتفسر العلاقات الخليجية مع إثيوبيا بعدة عوامل، منها:

- الاستثمار الزراعي والغذائي.
- المنافسة على النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
- الرغبة في بناء علاقات مع دولة محورية في شرق أفريقيا.
- الاستفادة من الكهرباء الإثيوبية مستقبلاً.
- موازنة النفوذ المصري أو التركي أو القطري في المنطقة.

لكن تحويل هذه العلاقات إلى دليل على وجود خطة خليجية موحدة لخنق مصر يحتاج إلى وثائق مباشرة غير متاحة علناً.

والسؤال الثالث هل سد النهضة ورقة إسرائيلية للضغط على مصر؟

بمراجعة التصريحات ومقالات أخرى في الصحافة انتشرت روايات تزعم وجود صفقة إسرائيلية تنص على نقل مياه النيل عبر سيناء إلى إسرائيل مقابل منح مصر حصة إضافية من مياه سد النهضة. وقد ظهرت بالفعل مقترحات قديمة ومناقشات إعلامية حول نقل المياه أو التعاون الإقليمي، لكن لا يوجد دليل موثق على وجود **شروط إسرائيلية رسمية** مرتبطة بأزمة سد النهضة، ولا على أن إسرائيل تدير السد أو تموله أو تستخدمه كأداة تفاوض مباشرة مع مصر وان كان ذلك ممكن اعتباره ورقة ضغط يمكن استخدامها مستقبلا وليس حاليا.

لذلك فإن القول إن سد النهضة “ورقة إسرائيلية” يمكن اعتباره تحليلاً سياسياً أو نظرية مؤامرة غير مثبتة، وليس حقيقة موثقة. لا شك انه توجد مصالح إسرائيلية في أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي، كما توجد علاقات بين إسرائيل وبعض دول المنطقة، لكن ذلك لا يثبت وجود صفقة مياه مرتبطة بالسد.

والسؤال الرابع والاهم هل تستطيع مصر ضرب السد؟

تمتلك مصر قدرات عسكرية بعيدة المدى، لكن تقييم إمكانية تنفيذ ضربة ناجحة يختلف عن تقييم آثارها السياسية والقانونية والإنسانية. ولا يمكن الجزم علناً بقدرة أي دولة على تدمير سد محصن من دون معلومات استخبارية وهندسية دقيقة.

أما تدمير السد بالقوة فيحمل أخطار هائلة:

- اندفاع موجة مائية ضخمة نحو السودان.
- تدمير أو إغراق مناطق ومدن وقرى على النيل الأزرق.
- تهديد سدود سودانية، خصوصاً سد الروصيرص، بما قد يضاعف الكارثة.
- مقتل أعداد كبيرة من المدنيين ونزوح واسع.
- تدمير الجسور، والطرق، ومحطات الكهرباء والمياه.
- احتمال وصول آثار الفيضان إلى مناطق شمال السودان، مع اختلاف الحجم والزمن حسب كمية المياه المخزنة وطبيعة الانهيار.
- اندلاع حرب إقليمية وعقوبات دولية واعتبار الهجوم انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي.

توجد نماذج هندسية تحذر من أن انهيار السد قد يؤدي إلى فيضانات كارثية تمتد عبر السودان، لكن حجم الإغراق والمدن المتضررة لا يمكن تحديده بدقة من دون سيناريو فشل محدد وبيانات دقيقة عن منسوب الخزان وحالة السدود السودانية.

ولهذا فإن الخيار العسكري لا يمثل حلاً بسيطاً لمشكلة المياه؛ فقد يحول أزمة مائية إلى كارثة إنسانية وسياسية وعسكرية.

واقصد ان سد النهضة مشروع إثيوبي حقيقي ذو دوافع تنموية وسيادية، وليس من الثابت أنه مشروع إسرائيلي أو خليجي بالوكالة. وفي المقابل، مخاوف مصر ليست وهمية، لأنها تعتمد بصورة شبه كاملة على النيل، وتحتاج إلى ضمانات ملزمة بشأن الجفاف والتشغيل وتبادل البيانات.

الحل الأكثر واقعية هو اتفاق ثلاثي يتضمن:

- قواعد ملزمة للملء والتشغيل.
- حدّاً أدنى من التصريف في سنوات الجفاف.
- آلية إنذار مبكر وتبادل بيانات مستمر.
- تنسيقاً بين سد النهضة والسدود السودانية والسد العالي.
- لجنة مستقلة لحل النزاعات.
- تعاوناً في الكهرباء والزراعة وتقليل فاقد المياه.
- عدم إنشاء مشروعات جديدة على النيل الأزرق تضر بالدول الأخرى من دون تقييم مشترك.

المشكلة الأساسية ليست وجود السد وحده، بل "تشغيله من دون اتفاق ملزم يطمئن دولتي المصب" والسؤال الأكثر صعوبة ويحتاج اجابة كيف تركت مصر إثيوبيا خمسه عشر عاما وهي تصمم و تبنى السد دون ايقاف العمل حتى يتم التوصل الي اتفاق؟ مسؤولية من؟ وما هو دور السودان؟

aftoukan@yahoo.com





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :