وقفة غير مسبوقة مع وزير النقل نضال القطامين عبر برنامج " 60 دقيقة "
السفير د. موفق العجلوني
10-10-2026 04:14 PM
*الأردن على سكة المستقبل ... مشروع وطني بطموحات اقتصادية كبرى
في لقاء خاص ضمن برنامج « 60 دقيقة » على التلفزيون الأردني ، تأتي " وقفة مع معالي وزير النقل الدكتور نضال القطامين " ، لفتح ملف النقل في الأردن، وتسليط الضوء على أحد أهم المشاريع الاستراتيجية التي يمكن أن تشكّل نقطة تحول في مستقبل البنية التحتية والاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها مشروع السكك الحديدية، وما يرتبط به من شراكات استثمارية، وفي مقدمتها المشاركة الإماراتية، بما يعكس أهمية التعاون العربي في تنفيذ المشاريع الكبرى ذات الأثر الاقتصادي والتنموي.
إن الحديث عن مشروع السكك الحديدية لا يقتصر على إنشاء خطوط لنقل البضائع أو الركاب، بل يتجاوز ذلك إلى رؤية وطنية متكاملة تهدف إلى إعادة تنظيم منظومة النقل، وتعزيز الترابط بين المحافظات والمراكز الصناعية والتجارية والموانئ، وفتح آفاق جديدة أمام الاستثمار والإنتاج والتشغيل. ومن هنا، فإن هذا المشروع يستحق أن يُقرأ باعتباره مشروعاً استراتيجياً للمستقبل، وليس مجرد مشروع بنية تحتية تقليدي.
يمثل التوجه نحو تطوير شبكة السكك الحديدية في المملكة محطة مهمة في مسيرة تحديث قطاع النقل، خصوصاً في ظل الحاجة إلى وسائل نقل أكثر كفاءة واستدامة، وقادرة على مواكبة متطلبات الاقتصاد الحديث. فالسكك الحديدية يمكن أن تسهم في نقل كميات كبيرة من البضائع بكفاءة، وتخفيف الضغط عن الطرق، وتقليل كلف النقل والخدمات اللوجستية، وتعزيز قدرة المنتجات الأردنية على الوصول إلى الأسواق.
وتكتسب الشراكات الاستثمارية، بما فيها الشراكة مع دولة الإمارات العربية المتحدة، أهمية خاصة في هذا السياق، لما يمكن أن توفره من فرص لتمويل المشاريع وتطوير الخبرات وتبادل المعرفة وتوظيف الإمكانات الفنية والتشغيلية. غير أن نجاح هذه المشاريع يرتبط بوضوح مراحل التنفيذ، وتحديد مصادر التمويل، والجدول الزمني، وآليات التشغيل، والعائد الاقتصادي المتوقع على المملكة.
إن المشهد التاريخي الحقيقي لا يتمثل في الإعلان عن المشروع وحده، بل في القدرة على تحويل الخطط إلى واقع ملموس، ورؤية خطوط النقل وهي تدخل الخدمة وتنعكس نتائجها على حياة المواطنين والقطاعات الإنتاجية.
تحتاج المملكة إلى رؤية شاملة تجعل من النقل منظومة مترابطة، تتكامل فيها السكك الحديدية مع الطرق البرية، والنقل العام، ومراكز الشحن والتخزين، والمناطق الصناعية، والمعابر الحدودية، والموانئ التي تخدم التجارة الأردنية.
فالمشروع الناجح لا يقاس بطول الخط الحديدي أو حجم الاستثمارات المعلنة فحسب، وإنما بقدرته على الربط بين مواقع الإنتاج والاستهلاك، وتسهيل حركة الأفراد والبضائع، وخفض الوقت والكلفة، وتوفير خدمات نقل منتظمة يمكن الاعتماد عليها.
ومن هنا تبرز أهمية توسيع مشاريع النقل داخل المملكة، وربط المحافظات والمناطق الصناعية والزراعية والتجارية بشبكة فعالة، تتيح للمواطن خيارات أفضل للتنقل، وتمنح المستثمرين قدرة أكبر على الوصول إلى الأسواق، وتساعد على تحقيق تنمية أكثر توازناً بين العاصمة والمحافظات.
كما أن تكامل وسائل النقل يتطلب تطوير محطات التبادل، وتحسين خدمات الحافلات، وتسهيل الوصول إلى محطات القطارات، وتحديث أنظمة التذاكر والمعلومات، بما يضمن أن تكون الرحلة متكاملة وسهلة، لا مجموعة من الوسائل المنفصلة التي يتحمل المواطن كلفة الربط بينها.
إن تطوير النقل العام يمثل ضرورة اقتصادية واجتماعية، وليس مجرد خيار خدمي. فالنقل المنظم والموثوق يساعد الموظفين والطلبة والعاملين على الوصول إلى أماكن عملهم ودراستهم بكلفة أقل، ويخفف الاعتماد على المركبات الخاصة، ويسهم في الحد من الازدحام المروري واستهلاك الوقود والآثار البيئية.
وعندما تتكامل خدمات النقل العام مع مشاريع السكك الحديدية، تصبح المملكة أمام فرصة لبناء نموذج أكثر كفاءة في التنقل، بحيث تتوزع الأدوار بين القطارات لنقل المسافات الطويلة والبضائع، والحافلات ووسائل النقل الأخرى لخدمة المدن والمحافظات والمناطق التي لا تصل إليها السكك الحديدية.
و هنا تبرز مسؤولية التخطيط الحكومي في ضمان أن تنعكس الاستثمارات الكبرى على المواطن بصورة مباشرة، من خلال خدمات أفضل، وكلف معقولة، وفرص وصول أوسع إلى العمل والتعليم والخدمات الأساسية.
لا تقف أهمية مشاريع النقل عند حدود قطاع النقل نفسه، بل تمتد إلى قطاعات واسعة من الاقتصاد. فالبنية التحتية الحديثة ترفع كفاءة سلاسل التوريد، وتساعد على تقليل كلف الإنتاج والتوزيع، وتعزز جاذبية المملكة للاستثمارات الصناعية والتجارية واللوجستية.
كما يمكن لمشاريع السكك الحديدية ومراكز الشحن والخدمات المرتبطة بها أن تفتح المجال أمام استثمارات في التخزين والصيانة والتشغيل والتكنولوجيا والخدمات المساندة. وكلما ارتبطت هذه المشاريع بخطط واضحة للتنمية الصناعية والتجارية، ازدادت فرص تحقيق قيمة مضافة للاقتصاد المحلي.
ومن المهم كذلك أن تكون هناك شفافية في تقييم الجدوى الاقتصادية، بحيث تشمل التكاليف الرأسمالية والتشغيلية، والعوائد المتوقعة، وأثر المشروع في التجارة والإنتاج، والفرص التي يمكن أن يوفرها للقطاع الخاص، إلى جانب المخاطر المحتملة وآليات إدارتها.
فالمطلوب ليس الاستثمار من أجل الاستثمار، بل استثمار قادر على تحريك عجلة الاقتصاد، وتحسين الإنتاجية، وخلق فرص عمل مستدامة، وتعزيز قدرة المملكة على الاستفادة من موقعها الجغرافي.
تُعد البطالة والفقر من أبرز التحديات الاقتصادية والاجتماعية، ولذلك فإن أي مشروع استراتيجي واسع النطاق يجب أن يُقيّم أيضاً من زاوية قدرته على توفير فرص عمل حقيقية للأردنيين.
ويمكن لمشاريع السكك الحديدية والنقل المتكامل أن تخلق فرصاً مباشرة في الإنشاءات والهندسة والتشغيل والصيانة والإدارة والسلامة والخدمات اللوجستية، إلى جانب فرص غير مباشرة في الصناعات المساندة والتجارة والتخزين والخدمات.
لكن الأثر الأهم لا يتحقق بمجرد توفير وظائف مؤقتة خلال مرحلة الإنشاء، بل ببناء قطاع نقل قادر على توليد وظائف مستدامة بعد بدء التشغيل. ويتطلب ذلك برامج تدريب وتأهيل فني، وشراكات مع الجامعات وكليات التدريب المهني، وإعداد الكفاءات الأردنية للعمل في تخصصات السكك الحديدية والنقل الذكي وإدارة سلاسل الإمداد.
كما أن ربط المحافظات والمناطق الأقل استفادة من النشاط الاقتصادي بمراكز الإنتاج والتجارة يمكن أن يوسع فرص العمل أمام سكانها، ويمنح الشباب إمكانية الوصول إلى وظائف وأسواق جديدة، ويساعد على الحد من التفاوت التنموي بين المناطق.
في هذا السياق ، لا بد ان يتفضل معالي وزير النقل ووزير العمل الدكتور نضال القطامين والذي نجل و نقدر ونحترم ، الإجابة على مجموعه من الأسئلة " أعانه الله على تحمل المسؤوليات الجسام " ، تبرز هنا مجموعة من الملفات التي تستحق النقاش خلال اللقاء مع معاليه عبر برنامج «60 دقيقة»، وفي مقدمتها:
أين وصلت المشاريع الاستراتيجية للسكك الحديدية؟
ما مراحل التنفيذ المتوقعة؟ وما طبيعة الشراكة مع الجانب الإماراتي؟
كيف ستُموّل المشاريع وتُدار وتُشغّل؟ وما حجم الأثر المتوقع على كلف النقل والتجارة والاستثمار؟
وتبرز أيضاً أسئلة تتعلق بمدى ارتباط شبكة السكك الحديدية بخطط النقل العام داخل المدن وبين المحافظات، وكيفية ضمان استفادة القطاعات الصناعية والزراعية والتجارية منها، وما البرامج الموضوعة لتأهيل العمالة الأردنية وإعطاء الأولوية للكفاءات المحلية وفق الاحتياجات الفنية والتشغيلية.
إن الإجابة عن هذه الأسئلة من شأنها أن تقدم للمواطن صورة أوضح عن مستقبل قطاع النقل، وأن تربط الطموحات الاستراتيجية بمؤشرات قابلة للقياس، تشمل الإنجاز، والكلفة، وجودة الخدمة، وفرص العمل، والعائد الاقتصادي.
في المحصلة، يشكّل مشروع السكك الحديدية الوطني فرصة لإعادة رسم ملامح قطاع النقل في الأردن، والانطلاق نحو منظومة متكاملة تدعم الاقتصاد الوطني، وتعزز تنافسية المملكة، وتفتح آفاقاً أوسع أمام الاستثمار والتجارة والتشغيل. فالمشاريع الكبرى لا تُقاس بحجم الطموحات التي تحملها فحسب، بل بقدرتها على إحداث تغيير ملموس في حياة المواطنين، وتوفير فرص العمل، وخفض كلف النقل، وتحويل الموقع الجغرافي للأردن إلى ميزة اقتصادية مستدامة.
ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي يتمثل في ترجمة الخطط والاستثمارات والشراكات، وفي مقدمتها الشراكات العربية، إلى إنجازات واضحة على أرض الواقع، ضمن رؤية وطنية تحدد الأولويات، وتضمن التكامل بين السكك الحديدية والنقل العام والطرق والمراكز اللوجستية، وتربط التنمية باحتياجات المحافظات والقطاعات الإنتاجية. كما أن الشفافية في التنفيذ، والوضوح في التمويل والجدول الزمني، وقياس النتائج بمؤشرات قابلة للتحقق، تمثل عناصر أساسية لتعزيز الثقة العامة وضمان تحقيق العائد الاقتصادي والتنموي المنشود.
وفي وقفة مع معالي وزير النقل الدكتور نضال القطامين عبر برنامج « 60 دقيقة »، تتجه الأنظار إلى الإجابات التي توضح مسار هذه المشاريع، وحجم ما يمكن أن تحققه للأردن خلال السنوات المقبلة، ومدى انعكاسها على فرص العمل ومستوى الخدمات وكفاءة الاقتصاد. فالمطلوب اليوم ليس مجرد شبكة سكك حديدية، بل شبكة تنمية متكاملة تصل بين المحافظات ومراكز الإنتاج والأسواق، وتمنح الأجيال القادمة بنية تحتية قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية.
إن مستقبل النقل في الأردن يبدأ من رؤية واضحة، ويترسخ بالتنفيذ الجاد، ويكتسب قيمته الحقيقية عندما يشعر المواطن بأثره في حياته اليومية. وعندها فقط، يصبح مشروع السكك الحديدية أكثر من إنجاز في البنية التحتية؛ يصبح خطوة استراتيجية نحو اقتصاد أكثر إنتاجية، وتنمية أكثر توازناً، ومستقبل يليق بطموحات الأردن وأبنائه.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الخبرة التي يحملها معالي وزير النقل ووزير العمل الدكتور نضال القطامين، بما يمتلكه من تاريخ وظيفي مشرف وتجربة إدارية تستحق التقدير، فضلاً عن لغته الراقية وحضوره المهني اللذين يعكسان عمق التجربة ووضوح الرؤية، وهي سمات لا ترتبط بالموقع الرسمي بقدر ما ترتبط بمسيرة الإنسان وعطائه، داخل الحكومة وخارجها. ويبقى الأمل أن تترجم هذه الخبرة إلى خطوات عملية تعزز مسيرة النقل في الأردن، وتدفع بمشاريع السكك الحديدية نحو الإنجاز، بما يخدم المواطن ويدعم الاقتصاد الوطني.
المدير العام لمركز فرح الدولي للدراسات والأبحاث الاستراتيجية
muwaffaq@ajlouni.me