أعداد نزلاء مراكز الإصلاح وضرورة الحلول
د.اكرم مساعدة
11-10-2026 01:59 PM
ما تُظهِره أرقامُ الموقوفين والمحكومين (نزلاء مراكز الإصلاح والتأهيل) في الأردن يستحقّ الدراسة والتمحيص، بل ويدعو إلى إيجاد حلولٍ عاجلةٍ وفعّالةٍ لمواجهة هذه الأرقام الكبيرة التي أصبحت مشكلةً مستعصيةً يلزم حلُّها. وما يلفت النظر في هذه الأرقام أنّ الموقوفين إدارياً وقضائياً يفوقون المحكومين قضائياً عدداً بكثير، وذلك على عكس الأرقام المعروفة في الدول المتقدمة، وبما يشكّل عبئاً كبيراً على منظومة الدولة الأردنية من جميع النواحي.
باعتقادي أنّ آلية التوقيف والهدفَ منها بحاجةٍ إلى إعادة نظرٍ جذريّة، وإنْ تطلّب الأمرُ الدقّةَ والتروّي؛ فالتوقيف الإداري يطال أعداداً كبيرةً من الأشخاص ليس بالضرورة توقيفُهم في السجون (رغم أنني لستُ مع القائلين بإلغاء قانون منع الجرائم، وكنتُ مؤيّداً لبقائه حين عُرِض على المحكمة الدستورية عندما كنتُ أحدَ أعضائها)، مما يستلزم إعادةَ فهمِ الأسباب التي يجوز فيها التوقيف ودواعيه وتقييمِها.
بل إنّ حالاتٍ كثيرةً من التوقيف تتمّ عقب الإفراج عن الموقوفين والمحكومين قضائياً، وهذا يعني ضرورةَ إخضاع هذه الصلاحية لرقابةٍ أكبر؛ ذلك أنّ التوقيف في هذه الحالة يعني مصادرةً لقرار القضاء بالإفراج، مما يُضعِف موقف القضاء الذي هو صاحبُ الصلاحية الأصيلُ في القبض على الأشخاص وتوقيفهم وحبسهم وفقاً للمادة الثامنة من الدستور. إضافةً إلى ذلك، فإنّ هذا التوقيف جعل الجهة الإدارية تبدو وكأنها جهةُ تعقيبٍ على قرارات القضاء.
وأمّا التوقيف القضائي، فإنني أجزم بأنّ النصوص الإجرائية الناظمة للتوقيف عندنا تسمو على النصوص المماثلة في العديد من الدول المتقدمة، وقد لمستُ ذلك مباشرةً أثناء عملي القضائي وزياراتي لدولٍ عديدة.
وهنا لا بدّ أن نُذكِّر بالمادة (114/1) من قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم (9) لسنة 1961، التي تنصّ على أنّ: "التوقيف هو تدبير استثنائي، ولا يكون التوقيف إلا إذا كان هو الوسيلة الوحيدة للمحافظة على أدلة الإثبات أو المعالم المادية للجريمة، أو للحيلولة دون ممارسة الإكراه على الشهود أو على المجني عليهم، أو لمنع المشتكى عليه من إجراء أي اتصال بشركائه في الجريمة أو المتدخلين فيها أو المحرضين عليها، أو أن يكون الغرض من التوقيف حماية المشتكى عليه نفسه، أو وضع حد لمفعول الجريمة أو الرغبة في اتقاء تجددها، أو منع المشتكى عليه من الفرار، أو تجنيب النظام العام أي خلل ناجم عن الجريمة".
ولذلك فإنني أعتقد أنّ من أهمّ أسباب هذه المشكلة – بعد أن غادرتُ مرفقَ القضاء وأصبحتُ أنظر نظرةَ المراقب والمحامي – أنّ التوقيف القضائي مُغالًى فيه، ومرجعُ ذلك أنّ الجهات القضائية، سواءٌ جهةُ النيابة العامة أم جهةُ القضاء، تحكمها فكرةٌ موروثة، وهي أنّ التوقيف إجراءٌ احترازيٌّ وجوبي. وأحياناً يصل الاعتقاد إلى أنّ التوقيف ربما يتقاسم مع الحكم النهائي الهدفَ من إحالة الأشخاص إلى القضاء، علماً أنّ أثر التوقيف يتعدّى أحياناً الموقوفَ إلى ذويه، فيكونون جميعاً الطرفَ الضعيف في الدعوى. وهذا بخلاف ما شاهدنا عليه العمل في الدول المتقدمة التي تتأنّى كثيراً في توقيف الأشخاص الذين تدور حولهم شبهاتُ ارتكاب الجريمة؛ فالتوقيف عندنا يتمّ لمجرد الاشتباه أو لأسبابٍ غير كافية، بل ربما يتمّ أحياناً لمجرد الاعتقاد بأنه سيكون حلاً لمشكلة، دون مراعاة أنّ نسبةً لا بأس بها من الموقوفين يقرّر القضاء إعلانَ براءتهم. وكما ذكرتُ، فإنّ مَرَدَّ ذلك كلِّه موروثٌ قضائي يسود معظم الأنظمة القضائية في دول العالم الثالث.
وعليه، وأمام معضلة الأعداد الكبيرة من الموقوفين والمحكومين في بلدنا، لا بدّ من دراسة هذه الظاهرة بجدّيةٍ وفاعليةٍ وعلى كل المستويات القضائية والأمنية والمجتمعية، وفي الوقت ذاته الأخذُ بالأساليب الحديثة، والاطّلاعُ على تجارب الدول المتقدمة، واعتمادُ العقوبات البديلة، والتوسّعُ في الإفراج المشروط عند تنفيذ العقوبة، وتفعيلُ المراقبة وتقييدُ حرية الحركة للمشتبه بهم بديلاً عن التوقيف. وفي هذا السياق، فإنني أرى أننا لسنا بحاجةٍ إلى أيّ مواءماتٍ تشريعية؛ فالتشريعات القائمة كافيةٌ وناجعة، بل نحتاج إلى أنماطٍ ومفاهيمَ جديدةٍ للتعامل مع هذه المعضلة.
أكتب هذه الملاحظة بدافعٍ مما تعانيه الأجهزة المختلفة، وما تتحمّله من تسخيرٍ لمواردَ بشريةٍ وماليةٍ وهدرٍ لها في سبيل مواجهة هذه المشكلة.