«أقوى عيلة» .. خطوة جريئة تعيد برامج المسابقات إلى شاشة التلفزيون الأردني
محمد ابوسماقة
12-10-2026 09:11 PM
بعد غياب امتد لعقود طويلة، تعود برامج المسابقات إلى شاشة التلفزيون الأردني، لتستحضر زمناً كانت فيه هذه البرامج جزءاً من ذاكرة المشاهدين، ومساحة تجمع أفراد الأسرة حول الشاشة، في أجواء من المتعة والتشويق والمشاركة.
وبصراحة، فإن إنتاج برنامج «أقوى عيلة»، بنسخته المحلية المستوحاة من البرنامج العالمي الشهير «Family Feud»، يمثل خطوة جريئة تُحسب لمجلس إدارة مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الأردنية وإدارتها التنفيذية، وتعكس توجهاً يستحق التقدير نحو تنويع المحتوى البرامجي، والانفتاح على تجارب عالمية ناجحة، وتقديم خيارات جديدة للمشاهد الأردني.
ومن واقع تجربتي الطويلة في العمل الإعلامي والإنتاج الفني، أرى أن هذه الخطوة تستحق الاهتمام، ليس فقط باعتبارها عودة لبرامج المسابقات، وإنما لما تحمله من دلالات على أهمية تطوير الإنتاج البرامجي، والبحث عن صيغ تلفزيونية تجمع بين الترفيه والمشاركة والهوية المحلية، خصوصاً في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع الإعلام وتعدد خيارات المشاهدة أمام الجمهور.
إن القيمة الفنية لمثل هذه البرامج لا تتوقف عند شهرتها العالمية أو عناصرها البصرية، وإنما ترتبط بالقدرة على تكييفها مع البيئة المحلية. فبرنامج «أقوى عيلة» يقوم على فكرة بسيطة وجذابة، تعتمد على توقع إجابات الناس عن أسئلة مستمدة من حياتهم اليومية، بعيداً عن المسابقات التقليدية التي تختبر المعلومات العامة والمعرفة الموسوعية.
وهذه الصيغة تمنح البرنامج مساحة واسعة للتفاعل والمواقف العفوية، وتتيح مشاركة عائلات من خلفيات اجتماعية وثقافية متنوعة، بما يعزز إحساس المشاهد بقرب البرنامج من حياته واهتماماته.
ومن هنا، تبرز أهمية دور فريق الإعداد في صياغة أسئلة تعكس خصوصية المجتمع الأردني، وتلتقط جوانب من ثقافته وروحه الاجتماعية وخفة ظله، بحيث تصبح النسخة المحلية قريبة من وجدان الجمهور، مع المحافظة على العناصر الأساسية التي صنعت نجاح البرنامج عالمياً.
أما اختيار الإعلامي محمد الوكيل لتقديم البرنامج، فيمثل أحد العناصر اللافتة في هذه التجربة، بالنظر إلى حضوره الإعلامي الممتد وعلاقته المباشرة بالجمهور الأردني. ولعل هذه الخبرة تمنحه مساحة للاستفادة من مهارات التواصل وسرعة التفاعل وإدارة المواقف العفوية التي تتطلبها طبيعة البرنامج.
كما أن الانتقال إلى هذا اللون من البرامج يتيح للمقدم فرصة لإظهار جوانب مختلفة من حضوره الإعلامي، خصوصاً أن مسابقات العائلات تعتمد إلى حد كبير على الألفة والتلقائية والقدرة على خلق أجواء مريحة وممتعة للمشاركين والمشاهدين.
ولعل أحد الجوانب المهمة في هذه التجربة يتمثل في قدرتها المحتملة على تعزيز المشاهدة العائلية المشتركة. ففي زمن أصبحت فيه المنصات الرقمية والهواتف الذكية جزءاً أساسياً من الحياة اليومية، تظل البرامج التي تجمع أفراد الأسرة حول مضمون واحد قادرة على تقديم تجربة مشاهدة مختلفة.
فالبرنامج العائلي لا يقتصر على المنافسة بين فريقين داخل الاستوديو، وإنما يمتد إلى المشاهدين في منازلهم، حيث يمكن للجميع المشاركة في توقع الإجابات والتفاعل مع النتائج والمواقف الطريفة، وهو ما يمنح هذا النوع من البرامج خصوصية اجتماعية وإنسانية محببة.
كما أن التكامل بين البث التلفزيوني والمنصات الرقمية يمكن أن يشكل إضافة مهمة، خصوصاً مع قابلية هذه البرامج لإنتاج مقاطع قصيرة تتضمن مواقف طريفة ولحظات إنسانية يمكن تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الأمر الذي يساعد على توسيع دائرة الوصول إلى الجمهور.
ومن المفيد النظر إلى هذه التجربة باعتبارها جزءاً من مسار أوسع لتطوير الإنتاج البرامجي في التلفزيون الأردني، وإتاحة المجال أمام الكفاءات الإعلامية والفنية المحلية للمشاركة في أعمال تستفيد من الخبرات والصيغ العالمية، مع المحافظة على الشخصية الأردنية للمحتوى.
ولا شك أن أي تجربة إنتاجية جديدة تحتاج إلى الوقت والتفاعل الجماهيري والتقييم المهني الهادئ، حتى تتضح ملامح نجاحها، وتُستثمر نتائجها في تطوير تجارب لاحقة. ومن الطبيعي أن تتفاوت الآراء حول أي عمل تلفزيوني، غير أن تعدد التجارب وتنوعها يظل عنصراً مهماً في تطوير الشاشة الوطنية.
إن ما يستحق التقدير في توجه مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون الأردنية هو الجرأة في اتخاذ قرار إنتاج هذا اللون من البرامج، وتوسيع مساحة الخيارات المتاحة أمام المشاهد، وإعادة الاهتمام بالإنتاج الترفيهي العائلي بوصفه مكوناً أساسياً من مكونات الخدمة الإعلامية العامة.
وفي تقديري، فإن تجربة «أقوى عيلة» تحمل فرصة تستحق التشجيع والمتابعة، ليس فقط لما يمكن أن تحققه من حضور جماهيري، وإنما لما قد تفتحه من آفاق أمام إنتاج برامج محلية جديدة تستند إلى أفكار مبتكرة وخبرات أردنية قادرة على المنافسة.
*ختاماً،* فإن مبادرة إنتاج برنامج «أقوى عيلة»، بوصفها تجربة رائدة من نوعها أردنياً في تقديم نسخة محلية من برنامج مسابقات عالمي، تشكل خطوة جريئة تؤكد قدرة مجلس إدارة مؤسسة الإذاعة والتلفزيون وإدارتها التنفيذية على التفكير خارج الصندوق، وتجاوز الأطر التقليدية في صناعة المحتوى التلفزيوني، انطلاقاً من رؤية لا تختزل رسالة الإعلام الوطني في معايير الربح والخسارة والحسابات التجارية وحدها، بل تضع الجمهور الأردني في مقدمة أولوياتها، باعتباره الغاية الأساسية من وجود هذه المؤسسة ورسالتها الإعلامية والمجتمعية.
*فالقيمة الحقيقية للتلفزيون الوطني لا تكمن فقط فيما يحققه من عوائد مالية، وإنما فيما يقدمه من محتوى يلامس حياة الناس، ويحترم أذواقهم، ويعزز ارتباطهم بشاشتهم الوطنية. وتلك، في تقديري، هي الرسالة الأهم التي تحملها هذه المبادرة، وهي خطوة تستحق التقدير والتشجيع.*